العودة   منتديات حبايب > «][□□□][ منتديات حبايب الاسلامي ][□□□][» > حبايب نصرة الرسول صلى الله عليهِ وسلم
التسجيل التعليمات قائمة الأعضاء التقويم اجعل جميع المنتديات مقروءة

حبايب نصرة الرسول صلى الله عليهِ وسلم
يهتم بسيرة الرسول محمد صلى الله عليه وسلم واصحابه الكرام

الإهداءات
من بين الجباااااااااااال : اللهم ارزقنا بر والدينا واجمعنا بهم في الفردوس الأعلى من الجنة من (¯`•.¸¸.-> الله يباركـ فيكـ : ( الم ـوسيقار ) مشكـور يالغ ــلا على التهنئـة عقبالكـ ان شاء الله والله لا يحرمنـي منكـ ياربـ ( والفـ مبروكـ للحاصلينـ علـى التميـز هـذا الشهـر من التهنئه للمميزين : الف مبروك للمميزين هذا الشهر // ابراهيم // جنون انثى// نواف// سماهر// رذاذ حلم// وعقبال الجميع من (¯`•.¸¸.-> النتيجة النهائية لمسابقة رمضان لهذا العام 1431هـ (`•.¸¸.-> الخيمة الرمضانيه : تم طرح النتيجة النهائيه للمسابقه الرمضانيه الفـ مبروكـ للفائزين بالمراكز الثلاثه الاولى واتقدم بالشكر لكل المتسابقين واتمنى اني وفقت في تقديم المسابقة وكل عام وانتم بخير

رد
رقم المشاركة : ( 1 )

 

 


الأوسمـة
بيانات الإتصال
آخر المواضيع

آلآـؤـركيـدآ غير متواجد حالياً

 
 








آلآـؤـركيـدآ has a reputation beyond reputeآلآـؤـركيـدآ has a reputation beyond reputeآلآـؤـركيـدآ has a reputation beyond reputeآلآـؤـركيـدآ has a reputation beyond reputeآلآـؤـركيـدآ has a reputation beyond reputeآلآـؤـركيـدآ has a reputation beyond reputeآلآـؤـركيـدآ has a reputation beyond reputeآلآـؤـركيـدآ has a reputation beyond reputeآلآـؤـركيـدآ has a reputation beyond reputeآلآـؤـركيـدآ has a reputation beyond reputeآلآـؤـركيـدآ has a reputation beyond repute

افتراضي أصحاب الرسول صلى الله عليه وسلم

بتاريخ : [ 10-19-2009 - 06:38 AM ]





صحابة الرسول صلى الله عليه وسلم


أبو بكر الصديق رضي الله




أبو بكر الصديق رضي الله عنه شخصية عجيبة جمعت بين طياتها الرقة والشدة، والرحمة والقوة، والأناة والسرعة، والتواضع والعظمة، والبساطة والفطنة.

شخصية عجيبة، جمعت كل ذلك، وأضعافه من فضائل الأخلاق والطباع، وهبه الله حلاوة المنطق، وطلاقة اللسان، وقوة الحجة، وسداد الرأي، ونفاذ البصيرة، وسعة الأفق، وبعد النظرة، وصلابة العزيمة، كل هذا وغيره، وليس بنبي، إن هذا لشيء عجيب.

فشخصية أبي بكر الصديق رضي الله عنه شخصية عجيبة ما تكررت في التاريخ.

انظر تقييم علي بن أبي طالب لهذه الشخصية، أخرج البخاري عن محمد بن علي بن أبي طالب قال:

قلت لأبي: أَيُّ النَّاسِ خَيْرٌ بَعْدَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؟

قال: أَبُو بَكْر.

قلت: ثُمَّ مَنْ؟

قال: عُمَرُ.



وَخَشِيتُ أَنْ يَقُولَ عُثْمَانُ، فَقُلْتُ:

ثُمَّ أَنْتَ؟ قال:مَا أَنَا إِلَّا رَجُلٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ.

وهذا تواضع من علي بن أبي طالب.

تُرى كيف كانت شخصية هذا الرجل الذي هو خير الناس بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم؟

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في جزء من حديث رواه البخاري عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه:

إِنَّ مِنْ أَمَنِّ النَّاسِ عَلَيَّ فِي صُحْبَتِهِ وَمَالِهِ أَبَا بَكْرٍ، وَلَوْ كُنْتُ مُتَّخِذًا خَلِيلًا غَيْرَ رَبِّي لَاتَّخَذْتُ أَبَا بَكْرٍ، وَلَكِنْ أُخُوَّةَ الْإِسْلَامِ وَمَوَدَّتَهُ.
فهذه مقامات عالية جدا، فأبو بكر الصديق كما في الحديث من أَمَنّ الناس على رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ أي أكثرهم مِنّة وفضلًا


وهذا رسول الله صلى الله عليه وسلم يتخذ الله خليلا ولولا ذلك لاتخذ أبا بكر؛ أي أنه لو اصطفى من البشر خليلا لكان أبو بكر رضي الله عنه، ولكن أخوة الإسلام.

كيف يكون هذا الرجل الذي ظفر بتلك المنزلة الراقية؟

وكيف وصل إليها؟

لا نريد دراسة أكاديمية لحياة أبي بكر الصديق، ولكن أحب أن نبحث في مفاتيح شخصية هذا الرجل العظيم،

كيف تسهل عليه فعل كل هذا الخير؟

وكيف حافظ عليه؟

ثم هل من سبيل بعد معرفة هذا أن نقلده فيما فعل، فنصل إلى ما إليه وصل؟

- بتحليل شخصية أبي بكر الصديق رضي الله عنه وأرضاه، وجدت أنه يتميز عن غيره في جوانب كثيرة من أهمها خمسة أمور، من هذه الأمور الخمسة تنبثق معظم صفات الصديق رضي الله عنه وأرضاه:

- حب رسول الله صلى الله عليه وسلم

- رقة القلب، ولين الجانب

- السبق والحسم

- إنكـار الذات

- الثـبـات



وهذه الصفات الخمسة هي التي سنتناولها في الجزء الأول من البحث، بإذن الله.

أمـا في الجزء الثاني، فسنتوقف عند أحداث السقيفة، لكي نتناول بشيء من التفصيل:

- أحداث يوم السقيفة.

- شروط الاستخلاف.

- استخلاف الصديق بين التلميح والتصريح.

- شبهات حول استخلاف الصديق.

ثم ننتهي بعد ذلك إلى:

.دروس من حياة الصديق رضي الله عنه

أسأل الله أن يعلمنا ما ينفعنا وأن ينفعنا بما علمنا...


حبه الصادق لرسول الله صلى الله عليه وسلم





أحبه حبًا خالصًا خالط لحمه ودماءه وعظامه وروحه حتى أصبح جزءًا لا يتجزأ من تكوينه، والصحابة جميعا أحبوا رسول الله صلى الله عليه وسلم حبا عظيما فريدًا، ولكن ليس كحب أبي بكر الصديق رضي الله عنه.

هذا الحب الذي فاق حب المال والولد والأهل والبلد، بل فاق حب الدنيا جميعها.

وحب رسول الله صلى الله عليه وسلم من مكملات الإيمان، فقد روى البخاري ومسلم رحمهما الله عن أنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

لَا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى أَكُونَ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِنْ وَلَدِهِ وَوَالِدِهِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ.

وأبو بكر الصديق رضي الله عنه أشد الناس إيمانا، فهو إذن أشد الناس حبا للرسول صلى الله عليه وسلم، ففي حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم في مسند الإمام أحمد عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: خَرَجَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذَاتَ غَدَاةٍ بَعْدَ طُلُوعِ الشَّمْسِ، فَقَالَ:

رَأَيْتُ قُبَيْلَ الْفَجْرِ كَأَنِّي أُعْطِيتُ الْمَقَالِيدَ وَالْمَوَازِينَ، فَأَمَّا الْمَقَالِيدُ فَهَذِهِ الْمَفَاتِيحُ، وَأَمَّا الْمَوَازِينُ فَهِيَ الَّتِي تَزِنُونَ بِهَا، فَوُضِعْتُ فِي كِفَّةٍ وَوُضِعَتْ أُمَّتِي فِي كِفَّةٍ، فَوُزِنْتُ بِهِمْ، فَرَجَحْتُ، ثُمَّ جِيءَ بِأَبِي بَكْرٍ، فَوُزِنَ بِهِمْ فَوَزَنَ.




هذا الحب المتناهي، له دليل من كل موقف من مواقف السيرة تقريبا، ولو تتبعت رحلة الصديق رضي الله عنه مع رسول الله صلى الله عليه وسلم لرأيت حبا قلما تكرر في التاريخ.

وتعالوا نقلب الصفحات في حادث واحد فقط هو حادث الهجرة إلى المدينة المنورة:

- لما جاء رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى بيت أبي بكر في ساعة لم يكن يأتيهم فيها، أول ما قاله أبو بكر قال:

فداء له أبي وأمي، والله ما جاء به في هذه الساعة إلا أمر.

- ولما أخبره رسول الله صلى الله عليه وسلم بأمر الهجرة قال أبو بكر الصديق بلهفة:

الصُّحْبَةُ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

الصُّحْبَةُ.

فماذا كان رد فعل أبي بكر لما علم أنه سيصاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم؟




أترك لكم السيدة عائشة تصور هذا الحدث:

قالت: فوالله ما شعرت قط قبل ذلك اليوم أن أحدا يبكي من الفرح، حتى رأيت أبا بكر يبكي يومئذ.

يا الله، يبكي من الفرح للصحبة مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، مع أن هذه الصحبة الخطيرة سيكون فيها ضياع النفس، فمكة كلها تطارده صلى الله عليه وسلم، ويكون فيها ضياع المال، ويكون فيها ضياع الأهل، ويكون فيها ترك البلد، لكن ما دامت في صحبة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فهذا أمر يبكي من الفرح لأجله.

- لقطة أخرى من لقطات الهجرة:

عند الوصول إلى غار ثور وهي لقطة (بدون تعليق) :

ولما انتهيا إلى الغار قال أبو بكر:

والله لا تدخله حتى أدخله قبلك، فإن كان فيه شر أصابني دونك.

فدخل فكسحه، ووجد في جانبه ثقبا، فشق إزاره وسدها به، وبقى منها اثنان فألقمهما رجليه، ثم قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم:

ادخل.

فدخل رسول الله صلى الله عليه وسلم، ووضع رأسه في حجره ونام، فلُدغ أبو بكر في رجله من الجُحر، ولم يتحرك مخافة أن ينتبه رسول الله صلى الله عليه وسلم، فسقطت دمعة على وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال:

مَا لَكَ يَا أَبَا بَكْرٍ؟

قال: لدغت فداك أبي وأمي.

فتفل رسول الله صلى الله عليه وسلم فذهب ما يجده.

- لقطة أخرى من لقطات الهجرة: لقطة يحكيها أبو بكر الصديق كما أوردها البخاري في صحيحه، يقول:

ارتحلنا من مكة فأحيينا، أو سرينا ليلتنا ويومنا حتى أظهرنا، وقامت قائم الظهيرة، فرميت ببصري هل أرى من ظل فآوي إليه؟ فإذا صخرة أتيتها، فنظرت بقية ظل، فسويته بيدي، ثم فرشت للنبي صلى الله عليه وسلم فيه، ثم قلت له: اضطجع يا نبي الله.

فاضطجع النبي صلى الله عليه وسلم، ثم انطلقت أنظر ما حولي هل أرى من الطلب أحدا؟ فإذا أنا براعي غنم يسوق غنمه إلى الصخرة، يريد منها الذي أردنا فسألته:

لمن أنت يا غلام؟

قال : لرجل من قريش سماه فعرفته، فقلت هل في غنمك من لبن قال:

نعم.

قلت: فهل أنت حالب لبنا؟

قال: نعم.

فأمرته فاعتقل شاه من غنمه، ثم أمرته أن ينفض ضرعها من الغبار، ثم أمرته أن ينفض كفيه، فقال هكذا ضرب إحدى كفيه بالأخرى فحلب له كثبة من لبن، ومعي دواة حملتها للنبي صلى الله عليه وسلم يرتوي منها يشرب ويتوضأ. فأتيت النبي صلى الله عليه وسلم، فكرهت أن أوقظه، فوافقته حين استيقظ فصببت الماء على اللبن حتى برد أسفله فقلت: اشرب يا رسول الله. فشرب حتى رضيت، ثم قال:

أَلَمْ يِأْنِ الرَّحِيلُ؟

قلت: بلى.

فارتحلنا، والقوم يطلبوننا، فلم يدركنا أحد منهم غير سراقة بن مالك بن جعشة على فرس، فقلت: هذا الطلب قد لحقنا يا رسول الله.

فقال: لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا.

- لقطة أخيرة من لقطات الهجرة وليست الأخيرة من لقطات أبي بكر الصديق رضي الله عنه، أخرج الحاكم في مستدركه عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال:

خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الغار، ومعه أبو بكر، فجعل يمشي ساعة بين يديه، وساعة خلفه، حتى فطن له رسول الله صلى الله عليه وسلم، فسأله، فقال له:

أذكر الطلب فأمشي خلفك، ثم أذكر الرصد فأمشي بين يديك.

فقال: يَا أَبَا بَكْرٍ لَوْ شَيْءٌ أَحْبَبْتَ أَنْ يَكُونَ بِكَ دُونِي؟

قال: نعم، والذي بعثك بالحق.


هل كان هذا الحب من طرف واحد؟

كلا والله، يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم في الحديث الذي رواه الإمام مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه:

الْأَرْوَاحُ جُنُودٌ مُجَنَّدَةٌ، فَمَا تَعَارَفَ مِنْهَا ائْتَلَفَ، وَمَا تَنَاكَرَ مِِنْهَا اخْتَلَفَ.

فلأن أبو بكر الصديق أحب رسول الله صلى الله عليه وسلم هذا الحب الذي فاق كل حب، فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد رفع مكانته في قلبه فوق مكانة غيره.

روى الشيخان عن عمرو بن العاص رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعثه على جيش ذات السلاسل، يقول:

فأتيته فقلت: أي الناس أحب إليك؟

قال: عَائِشَةُ.

قلت: من الرجال؟

قال: أَبُوهَا.

قلت: ثم من؟

قال: عُمَرُ. فعد رجالا.
سؤال:هل كان يُرْغِمُ أبو بكر الصديق رضي الله عنه نفسه على هذا الحب؟ هل كان يشعر بألم في صدره عندما يقدم حب رسول الله صلى الله عليه وسلم على حب ماله أو ولده أو عشيرته أو تجارته أو بلده؟

أبدا والله، لقد انتقل الصديق من مرحلة مجاهدة النفس لفعل الخيرات إلى مرحلة التمتع، والتلذذ بفعل الخيرات، انتقل إلى مرحلة حلاوة الإيمان يذوقها في قلبه وعقله وكل كيانه.

يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم في الحديث الذي رواه الشيخان عن أنس رضي الله عنه:

ثَلَاثٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ وَجَدَ حَلَاوَةَ الْإِيمَانِ: أَنْ يَكُونَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِمَّا سِوَاهُمَا، وَأَنْ يُحِبَّ الْمَرْءَ لَا يُحِبُّهُ إِلَّا لِلَّهِ، وَأَنْ يَكْرَهَ أَنْ يَعُودَ فِي الْكُفْرِ كَمَا يَكْرَهُ أَنْ يُقْذَفَ فِي النَّارِ.

هذا الحب الفريد لرسول الله صلى الله عليه وسلم قاد إلى أمرين عظيمين يفسران كثيرا من أعمال الصديق رضي الله عنه الخالدة في التاريخ:

الصديق وبعث أسامة


- انظر مثلًا إلى موقفه في إنفاذ بعث أسامة بن زيد رضي الله عنهما، والحقيقة أننا نسمع عن إنفاذ جيش أسامة، فلا نعطيه قدره، ونتخيل أنه مجرد جيش خرج، ولم يلق قتالًا يذكر فأي عظمة في إخراجه؟! بيد أن دراسة ملابسات إخراجه، وتأملها تدل على عظمة شخصية الصديق، وكيف أنه بهذا العمل وهو أول أول أعمال خلافته، قد وضع سياسة حكمه التي تعتمد في المقام الأول على اتباع رسول الله صلى الله عليه وسلم دون تردد، ولا شك، فقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أعد هذا البعث لإرساله لحرب الروم في شمال الجزيرة العربية، وقد أمّر عليه أسامة بن زيد، ولم يبلغ الثامنة عشر من عمره، ثم توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم، وارتدت جزيرة العرب كلها إلا ثلاث مدن هي مكة والمدينة والطائف وقرية صغيرة، وهي جواثا في منطقة هجر بالبحرين.
الجزيرة العربية كلها تموج بالردة ومع هذا أصر أبو بكر الصديق أن ينفذ بعث أسامة بن زيد إلى الروم مع اعتراض كل الصحابة على ذلك الأمر؛ لأنه ليست لهم طاقة بحرب المرتدين فكيف يرسل جيشًا كاملًا إلى الروم ويترك المرتدين، والحق أنه قرار عجيب، البلاد في حرب أهلية طاحنة، وبها أكثر من عشر ثورات ضخمة، ثم يرسل زعيم البلاد جيشًا لحرب دولة مجاورة، كان قد أعده الزعيم السابق، لكن أبو بكر كانت الأمور في ذهنه في منتهى الوضوح ما دام رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أمر فلا مجال للمخالفة، حتى وإن لم تفهم مقصود رسول الله صلى الله عليه وسلم، حتى وإن لم تطلع على الحكمة والغاية، وهذه درجة عالية من الإيمان، كما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد علم بردة مسيلمة في اليمامة، والأسود العنسي في اليمن، ومع ذلك قرر تجهيز الجيش، وإرساله إلى الشام، وما دام رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أمر، فالخير كل الخير فيما أمر، فأصر على إنفاذ البعث إلى الروم.

جاءه الصحابة يجادلونه ويحاورونه، وهم على قدرهم الجليل لم يفهموا فهم الصديق رضي الله عنه، فماذا قال لهم؟

قال: والله لا أحل عقدة عقدها رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولو أن الطير تخطفنا، والسباع من حول المدينة، ولو أن الكلاب جرت بأرجل أمهات المؤمنين لأجهزن جيش أسامة.

وبالفعل أنفذ جيش أسامة بن زيد رضي الله عنهما، وكان الخير في إنفاذه، إذ أرعبوا قبائل الشمال، وسكنت الروم، وظنوا أن المدينة في غاية القوة، وإلا لما خرج من عندهم هذا الجيش الضخم، وحفظ الله المدينة بذلك، ورأى الصحابة بعد ذلك بأعينهم صدق ظن الصديق رضي الله عنه، لكن الصديق كان يرى الحدث قبل وقوعه؛ لأنه يرى بعين رسول الله صلى الله عليه وسلم.

ولما رأى الصحابة إصرار أبي بكر الصديق قال بعضهم لعمر بن الخطاب: قل له فليؤمر علينا غير أسامة.
فانتفض أبو بكر وأخذ بلحية عمر بن الخطاب وقال: ثكلتك أمك يا ابن الخطاب، أؤمر غير أمير رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ وقد كانت لحظات الغضب في حياته رضي الله عنه قليلة جدًا، وكانت في غالبها إذا انتهكت حرمة من حرمات الله عز وجل، أو عطل أمر من أوامر رسول الله صلى الله عليه وسلم.

- خطابه إلى عمرو بن العاص رضي الله عنه: فقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد ولى عمرو بن العاص مرة على عمان، ووعده أخرى بالولاية عليها، فلما استتب الأمر لأبي بكر الصديق بعد حروب الردة ولى عليها عمرو بن العاص تنفيذًا لوعد رسول الله صلى الله عليه وسلم، مع أن هذه أمور يجوز للوالي الجديد أن يراها أو يرى غيرها حسبما رأى المصلحة، هذا أمر ليس شرعيًا حتميًا، ولكنه لا يريد أن يخالف ولو قدر أنملة، وهذا هو الذي وصل به إلى درجته، وهذا الذي رفع قدره، وهذا الذي سلم خطواته، وهذا الذي سدد رأيه.

ثم إنه قد احتاجه لإمارة جيش من جيوش الشام، وعمرو بن العاص طاقة حربية هامة جدًا، لكن أبو بكر الصديق تحرج من استقدامه في مكان وضعه فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم مخافة أن يكره ذلك عمرو بن العاص فأرسل له رسالة لطيفة يقول فيها:

إني كنت قد رددتك على العمل الذي كان رسول الله صلى الله عليه وسلم وَلَّاكه مرة، وسماه لك أخرى؛ مبعثك إلى عمان إنجازا لمواعيد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقد وليته ثم وليته، وقد أحببت أبا عبد الله أن أفرغك لما هو خير لك في حياتك ومعادك منه، إلا أن يكون الذي أنت فيه أحب إليك.

- هيبته في جمع القرآن، فإنه لما استشهد عدد كبير من حفظة القرآن في موقعة اليمامة، وخشي الصحابة على ضياع القرآن ذهبوا إلى أبي بكر يعرضون عليه فكرة جمع القرآن، فكان متحرجًا أشد التحرج من هذا العمل الجليل، قال:

كيف أفعل شيئا لم يفعله رسول الله صلى الله عليه وسلم؟



ورسول الله صلى الله عليه وسلم لم ينه عن جمعه، ولكن كان من عادة الصديق رضي الله عنه أن ينظر إلى فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل الإقدام على أي عمل، فما وجده اتبعه، فلما نظر ولم يجد رسول الله قد جمع القرآن تهيب الموقف، واحتار، ولكنه لما اجتمع عليه الصحابة، وأقنعوه وخاصة عمر، استصوب جمعه لما فيه من خير.

وهكذا في كل مواقفه رضي الله عنه ستجد حبًا عميقًا لرسول الله صلى الله عليه وسلم، دفعه إلى اليقين بصدق ما قال، ودفعه أيضًا إلى الإقتداء به في كل الأفعال والأقوال، ومع ذلك فإن هذا الحب العميق لم يدفعه إلى الظلم أبدًا. وأكتفي كدليل على ذلك بحادثة واحدة في حياة الصديق رضي الله عنه فقد خطب رسول الله صلى الله عليه وسلم ابنة أبي بكر عائشة حين ذكرتها خوله بنت حكيم، وكان المطعم بن عدي قد خطبها قبل ذلك لابنه فقال أبو بكر لزوجه أم رومان:

إن المطعم بن عدي قد كان ذكرها على ابنه، والله ما أخلف أبو بكر وعدًا قط.

ثم أتى مطعمًا وعنده امرأته فسأله:

ما تقول في أمر هذه الجارية؟

فأقبل الرجل على امرأته ليسألها ما تقولين؟

فأقبلت هي على أبي بكر تقول: لعلنا إن أعطينا هذا الصبي إليك تصبئه وتدخله في دينك الذي أنت عليه.

فلم يجيبها أبو بكر، فسأل المطعم بن عدي: ما تقول أنت؟


فكان جوابه: إنها تقول ما تسمع.

فتحلل أبو بكر عند ذلك من وعده، وقَبِلَ خطبة رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد أن كان علقها على موافقة المطعم بن عدي مع رغبة نفسه الأكيدة في مصاهرة رسول الله صلى الله عليه وسلم، طراز نادر من الرجال رضي الله عنه.

Digg this Post!Add Post to del.icio.usBookmark Post in TechnoratiFurl this Post!
رد مع اقتباس

 

 رقم المشاركة : ( 2 )









آلآـؤـركيـدآ has a reputation beyond reputeآلآـؤـركيـدآ has a reputation beyond reputeآلآـؤـركيـدآ has a reputation beyond reputeآلآـؤـركيـدآ has a reputation beyond reputeآلآـؤـركيـدآ has a reputation beyond reputeآلآـؤـركيـدآ has a reputation beyond reputeآلآـؤـركيـدآ has a reputation beyond reputeآلآـؤـركيـدآ has a reputation beyond reputeآلآـؤـركيـدآ has a reputation beyond reputeآلآـؤـركيـدآ has a reputation beyond reputeآلآـؤـركيـدآ has a reputation beyond repute

الأوسمـة
بيانات الإتصال
آخر المواضيع

آلآـؤـركيـدآ غير متواجد حالياً


الالفية الرابعة عشر التواصل 1430 النوايا الحسنة العطاء الوسام الذهبي الاداره 1 

افتراضي رد: بلا عنوان لحين اكتمال الموضوع

بتاريخ : [ 10-19-2009 - 06:55 AM ]

رقة القلب



بعض النفوس تكون في طبيعتها غليظة جافة، والبعض الآخر يكون في قلبه رحمة فطرية غير مصطنعة غير متكلفة، وكان أبو بكر رضي الله عنه من هذا النوع الأخير.
لقد سمع أبو بكر وصايا حبيبه محمد صلى الله عليه وسلم، فحفظها، وعقلها وعمل بها:
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: لَا تَحَاسَدُوا، وَلَا تَنَاجَشُوا، وَلَا تَبَاغَضُوا، وَلَا تَدَابَرُوا، وَلَا يَبِعْ بَعْضُكُمْ عَلَى بَيْعِ بَعْضٍ، وَكُونُوا عِبَادَ اللَّهِ إِخْوَانًا، الْمُسْلِمُ أَخُو الْمُسْلِمِ لَا يَظْلِمُهُ وَلَا يَخْذُلُهُ وَلَا يَحْقِرُهُ، التَّقْوَى هَاهُنَا- وَيُشِيرُ إِلَى صَدْرِهِ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ- بِحَسْبِ امْرِئٍ مِنْ الشَّرِّ أَنْ يَحْقِرَ أَخَاهُ الْمُسْلِمَ، كُلُّ الْمُسْلِمِ عَلَى الْمُسْلِمِ حَرَامٌ، دَمُهُ وَمَالُهُ وَعِرْضُهُ.
كانت رقة قلبه رضي الله عنه تنعكس على حياته الشخصية، وتنعكس على علاقاته مع الناس.
وتستطيع بعد أن تدرك هذه الحقيقة، حقيقة أنه جُبِل على الرحمة والرقة والهدوء أن تفهم كثيرًا من أفعاله الخالدة رضي الله عنه.
- عن عائشة رضي الله عنها كما روى البخاري ومسلم، قالت:
لم أعقل أبويَّ قط إلا وهما يدينان الدين، ولم يمر علينا يوم إلا يأتينا فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم طرفي النهار، بكرةٍ وعشية، فلما ابتلي المسلمون (تقصد في فترة إيذاء المشركين للمسلمين في مكة) خرج أبو بكر مجاهدًا إلى أرض الحبشة، حتى إذا بلغ برك الغماد لقيه بن الدغنة، وهو سيد القارة فقال:
أين تريد يا أبا بكر؟
فقال أبو بكر: أخرجني قومي، فأريد أن أسيح في الأرض وأعبد ربي.
سبحان الله، سيترك التجارة، والما، والوضع الاجتماعي المرموق، والبيت، والأهل، والبلد، والكعبة، بل أعظم من ذلك عنده سيترك رسول الله صلى الله عليه وسلم، هناك بعض الناس يحبون أن يعبدوا الله بالطريقة التي يرونها هم صحيحة، لكن أبو بكر كان يعبد الله بالطريقة التي يريدها رسول الله صلى الله عليه وسلم، كان من الممكن أن يبقى أبو بكر في مكة، ويعبد الله في سرية، ويتاجر، ويحقق المال الذي يفيد الدعوة، لكن رسول الله أراد له الهجرة؛ لأنه ليست له حماية في مكة؛ لأن قبيلته ضعيفة، وهي قبيلة بني تيم، فترك كل شيء وهاجر، وإلى أرض بعيد مجهولة غير عربية، إلى الحبشة، لكن الله أراد غير ذلك وأراد له البقاء في مكة فسخر له ابن الدغنة. قال ابن الدغنة:
فإن مثلك يا أبا بكر لا يخرج ولا يخرج مثله، إنك تكسب المعدوم، وتصل الرحم، وتحمل الكل، وتقري الضيف، وتعين على نوائب الحق.
ونلاحظ أنها نفس الصفات التي ذكرتها السيدة خديجة في وصف رسول الله صلى الله عليه وسلم.
فأنا لك جار ارجع، واعبد ربك ببلدك.
فرجع وارتحل معه ابن الدغنة، فطاف ابن الدغنة عشيةً في أشراف قريش فقال لهم:
أتخرجون رجلًا يكسب المعدوم، ويصل الرحم، ويحمل الكل، ويقري الضيف ويعين على نوائب الحق؟
فلم تكذب قريش بجوار ابن الدغنة وقالوا لابن الدغنة:
مر أبا بكر فليعبد ربه في داره، فليصل فيها، وليقرأ ما شاء، ولا يؤذينا بذلك، ولا يستعلن به، فإنا نخشى أن يفتن نساءنا وأبنائنا.
لأن قلوب النساء، والأبناء قلوب رقيقة، وأبو بكر رجل رقيق، يخرج كلامه من القلب، فيصل إلى القلوب الرقيقة المفتقرة للمعرفة، لكنهم لا يخشون على الرجال فقلوبهم كانت قاسية، عرفت الحق، واتبعت غيره.
فقال ذلك ابن الدغنة لأبي بكر، فلبث أبو بكر بذلك يعبد ربه في داره ولا يستعلن بصلاته ولا يقرأ في غير داره (يعني لا يقرأ في الكعبة ولا في مجالس التقاء الناس ولا في السوق) ثم بدا لأبي بكر فابتنى مسجدا بفناء داره وكان يصلي فيه ويقرأ القرآن، فيتقذف عليه نساء المشركين، وأبناؤهم وهم يعجبون منه وينظرون إليه.
لا يريد أن يكتم أمر الدعوة، تتحرق نفسه شوقًا لإسماع غيره كلام الله عز وجل، وتشفق روحه على أولئك الذين سيذهبون إلى النار إذا ماتوا على كفرهم تمامًا كرسول الله صلى الله عليه وسلم الذي خاطبه ربه بقوله:
[لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ أَلَّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ]{الشعراء:3} .
هكذا كان أبو بكر الصديق رضي الله عنه،


يبكي عند قراءة القرآن كان أبو بكر رجلًا بكاءً لا يملك عينيه إذا قرأ القرآن.
وأفزع ذلك أشراف قريش من المشركين، فأرسلوا إلى ابن الدغنة فقدم عليهم فقالوا:
إنا كنا أجرنا أبا بكر بجوارك على أن يعبد ربه في داره، فقد جاوز ذلك، فابتنى مسجدا في فناء داره، فأعلن بالصلاة والقراءة فيه، وإنا قد خشينا أن يفتن نساءنا وأبنائنا فانهه.
وهذا أمر طبيعي جدًا، فإذا وصلت كلمات الله وكلمات الرسول خالصة نقية إلى أسماع الناس وجردوا قلوبهم من المصالح، فمن الطبيعي جدًا أن يؤمنوا بها:
[فِطْرَةَ اللهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللهِ ذَلِكَ الدِّينُ القَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ] {الرُّوم:30} .
وطبيعي جدًا أن يقاتل الكافرون دون ذلك، وهم يعلمون صوابها:
[وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا]{النمل:14} .
قالوا: فإن أحب أن يقتصر على أن يعبد ربه في داره فعل، وإن أبى إلا أن يعلن بذلك فسله أن يرد إليك ذمتك، فإنا قد كرهنا أن نخفرك، ولسنا مقرين لأبي بكر الاستعلان.
هنا وُضع ابن الدغنة في موقف حرج فهو لا يريد أن يخسر كل أهل قريش، كما أنه ليس من أهل مكة الأصليين ويبدو أن الكفر الشديد والعناد الكبير سيجعل مكة تغير من قوانينها وأصولها فتكسر قواعد الحماية وتعطل قانون الإجارة، قالت عائشة:
فأتى ابن الدغنة إلى أبي بكر رضي الله عنه فقال:
قد علمت الذي عاقدت لك عليه، فإما أن تقتصر على ذلك، وإما أن ترجع إلي ذمتي، فإني لا أحب أن تسمع العرب أني أخفرت في رجلٍ عقدت له.
هنا لا يتردد أبو بكر الصديق رضي الله عنه، فالدعوة في مقدمة حياته على كل شيء حتى على حياته وروحه. فقال أبو بكر:
فإني أرد إليك جوارك، وأرضى بجوار الله عز وجل.
كانت هذه طبيعة أبي بكر، وكلنا يعلم أنه لما أشتد برسول الله صلى الله عليه وسلم وجعه، وذلك في مرض الموت، قيل في الصلاة فقال صلى الله عليه وسلم: مُرُوا أَبَا بَكْرٍ، فَلْيُصَلِّ بِالنَّاسِ.
فقالت عائشة رضي الله عنها: إن أبا بكر رجلٌ رقيقٌ، إذا قرأ القرآن غلبه البكاء.
فقال صلى الله عليه وسلم: مُرُوهُ فَلْيُصَلِّ.
وفعلًا صلى بالناس، وفعلًا بكى كعادته في قراءة القرآن تمامًا كما وصفته ابنته الفاضلة السيدة عائشة رضي الله عنها: رجلٌ رقيقٌ
موقفه مع ربيعة الأسلمي رضي الله عنهما هذه النفس الرقيقة، والقلب الخاشع، والروح الطاهرة النقية، والطبيعة الهينة اللينة تفسر لنا كثيرًا من مواقف أبى بكر العجيبة:
- أخرج أحمد بسند حسن عن ربيعة الأسلمي رضي الله عنه قال:
جرى بيني وبين أبي بكر كلام، فقال لي كلمة كرهتها وندم.
ولنتأمل أن هذا الكلام يدور في المدينة، وأبو بكر هو المستشار الأول لرسول الله صلى الله عليه وسلم، بمعنى أنه نائب الرئيس مباشرة، وربيعة الأسلمي هو خادم رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال أبو بكر كلمة كرهها ربيعة، ويبدو أن الخطأ كان في جانب أبي بكر، وأدرك ذلك، ويحدث أن يخطئ البشر مع علو قدرهم، وسمو أخلاقهم، لكنه ثاب إلى رشده بسرعة عجيبة، وشعر بالندم كما قال ربيعة وهو يصف الموقف، لكن هل وقف الندم عند حد الشعور به والتألم الداخلي فقط؟ أبدًا، رقة نفسه خرجت بهذا الندم إلى خير العمل وأسرع، وهو نائب الرئيس يقول لربيعة الخادم،
فقال لي: يا ربيعة رد علي مثلها حتى يكون قصاصًا.
قلت:لا أفعل.
أدب ربيعة تربية رسول الله صلى الله عليه وسلم.
قال أبو بكر: لتقولن أو لأستعدين عليك رسول الله صلى الله عليه وسلم.
فقلت: ما أنا بفاعل.
فانطلق أبو بكر رضي الله عنه رضي الله عنه إلى النبي صلى الله عليه وسلم، وانطلقت أتلوه، وجاء أناس من أسلم فقالوا لي:
رحم الله أبا بكر، في أي شيء يستعدي عليك رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو الذي قال لك ما قال.
فقلت: أتدرون من هذا؟ هذا أبو بكر الصديق، هذا ثاني اثنين، وهذا ذو شيبة في الإسلام، إياكم لا يلتفت فيراكم تنصروني عليه، فيغضب، فيأتي رسول الله صلى الله عليه وسلم فيغضب لغضبه، فيغضب الله عز وجل لغضبهما، فيهلك ربيعة.
والله إنه لمجتمع عجيب، وأعجب منه الإسلام الذي غير في نفسيات القوم في سنوات معدودات حتى أصبحوا كالملائكة.
قالوا: ما تأمرنا؟
قال: ارجعوا.
وانطلق أبو بكر الصديق رضي الله عنه وتبعته وحدي حتى أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فحدثه الحديث كما كان، فرفع إلي رأسه فقال صلى الله عليه وسلم:
يَا رَبِيعَةُ مَا لَكَ وَالصِّدِّيقُ؟
فقلت: يا رسول الله كذا وكذا، فقال لي كلمة كرهتها فقال لي: قل كما قلت حتى يكون قصاصًا. فأبيت.
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
أَجَلْ، لَا تَرُدَّ عَلَيْهِ، وَلَكِنْ قُلْ: قَدْ غَفَرَ اللَّهُ لَكَ يَا أَبَا بَكْرٍ.
فقلت: غفر الله يا أبا بكر.
قال الحسن: فولى أبو بكر رضي الله عنه وهو يبكي.
- وكان من رقيه وحنانه يشفق على المستضعفين في مكة، يقول عبد الله بن الزبير رضي الله عنهما:
كان أبو بكر يعتق على الإسلام في مكة.
بمعنى أنه إذا أسلم الرجل، أو المرأة اشتراه من صاحبه واعتقه.
فكان يعتق عجائز ونساء إذا أسلمن، فقال أبوه:
أي بني أراك تعتق أناسًا ضعافًا، فلو أنك تعتق رجالًا جلدًا يقومون معك ويمنعونك ويدفعون عنك؟
وقد كان في حاجة إلى ذلك ؛لأن قبيلته قبيلة تيم كانت ضعيفة وصغيرة.
قال:أي أبت أنا أريد ما عند الله.
فنزلت فيه:
[فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى(5)وَصَدَّقَ بِالحُسْنَى(6)فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى] {الليل:5: 7} .
ونزلت فيه:
[وَسَيُجَنَّبُهَا الأَتْقَى(17)الَّذِي يُؤْتِي مَالَهُ يَتَزَكَّى(18)وَمَا لِأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزَى(19)إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الأَعْلَى(20)وَلَسَوْفَ يَرْضَى] {الليل:17: 21} .
وتأمل معي حينما يعد الله سبحانه وتعالى بنفسه عبده بأنه سيرضى، أي ثمن دُفع وأي سلعة تُشْترى؟ ما أزهد الثمن المدفوع، ولو كان الدنيا بأسرها، وما أعظم السلعة المشتراة إنها الجنة.
- لما وقع حادث الإفك وتكلم الناس في حق السيدة عائشة ابنة الصديق رضي الله عنهما، كان ممن تكلم في حقها مسطح بن أثاثة رضي الله عنه، وهو من المهاجرين، وهو ابن خالة الصديق رضي الله عنه، فحلف الصديق أن لا ينفع مسطح بنافعة أبدًا.
وهذا رد فعل تجاه من طعن ابنته، فمسطح لم يتكلم في خطأ عابر للسيدة عائشة، بل يطعن في عرضها وشرفها وهذه جريمة شنعاء وذنب عظيم. فلما نزلت البراءة وأقيم الحد على المتكلمين نزلت الآية الكريمة:
[وَلَا يَأْتَلِ أُولُو الفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا أُولِي القُرْبَى وَالمَسَاكِينَ وَالمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللهِ وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللهُ لَكُمْ وَاللهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ] {النور:22}
لا يأتل: أي لا يحلف.
أولوا الفضل: وهو وصف خاص بالصديق رضي الله عنه، وللعلماء تعليقات كثير على هذه الشهادة من رب العالمين على الصديق أنه من أولي الفضل، على إطلاقها فهي تعني كل أنواع الفضل.
فماذا كان رد فعل الصديق رضي الله عنه؟
قال الصديق:
بلى والله إنا نحب أن تغفر لنا يا ربنا.
ثم أرجع إلى مسطح ما كان يصله من نفقة وقال:
والله لا أنزعها منه أبدًا
كل هذا وهو ليس بذنب، بل قطع فضلًا ولم يقطع حقًا لمسطح.
أما نحن فللأسف الشديد، كم مرة نسمع المغفرة، ونحن على ذنب كبير حقيقي، ونسمع:
[أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللهُ لَكُمْ وَاللهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ]{النور:22} .
فنقول : إن شاء الله، ونُسَوف في التوبة، كم مرة سمعناها، ونحن على ذنوبنا؟
هذا هو الفرق بين الصديق، السبّاق إلى التوبة من ترك فضل وبين المُسَوّفين في التوبة، فيجب علينا أن نتوب في هذه اللحظة؛ لكي نكون قد تعلمنا حقًا من أبي بكر رضي الله عنه، وأرضاه.
- روى مسلم عن أبي هبيرة عائذ بن عمرو المزني رضي الله عنه أن أبا سفيان أتى على سلمان وصهيب وبلال في نفر، فقالوا:
ما أخذت سيوف الله من عنق عدو الله مأخذها.
فقال أبو بكر رضي الله عنه:
أتقولون هذا لشيخ قريش وسيدهم؟
فأتى النبي صلى الله عليه وسلم فأخبره، فقال:
يَا أَبَا بَكْرٍ لَعَلَّكَ أَغْضَبْتَهُمْ، لَئِنْ كُنْتَ أَغْضَبْتَهُمْ، لَقَدْ أَغْضَبْتَ رَبَّكَ.
فأتاهم فقال: يا إخوتاه أغضبتكم؟
قالوا: لا، غفر الله لك يا أخي.
الصديق وأسرى بدر ولما استشاره رسول الله صلى الله عليه وسلم في أمر الأسرى في موقعة بدر، ماذا كان يرى في أولئك الذين عذبوهم وأخذوا أموالهم، وطردوهم من ديارهم، وحرصوا على حربهم، وكادوا يقتلونهم في بدر لولا أن الله من على المؤمنين بالنصر؟
انظر إليه وكأنه يتحدث عن أصحابه لا يتحدث عن الأسرى، بل كأنه يتحدث عن أصحابه وأحبابه، لقد قال:
يا رسول الله، هؤلاء بنو العم والعشيرة والإخوان، وإني أرى أن تأخذ فيهم الفدية، فيكون ما أخذناه قوة لنا على الكفار، وعسى أن يهديهم الله فيكونوا لنا عضدًا.
أما عمر بن الخطاب، فقد كان جوابه مختلفًا، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
مَا تَرَى يَا ابْنَ الْخَطَّابِ؟
فيرد عمر بن الخطاب فيقول، ولنتأمل كلام عمر بن الخطاب رضي الله عنه وهو ملهم، ومحدث ومسدد الرأي، وفيه شدة واضحة على الكفر وأهله، وهي شدة محمودة في زمان الحرب. بل إن رأيه هو ذلك الرأي الذي يريده الله ووافق فيه عمر ما أراد الله عز وجل:
والله ما أرى ما رأى أبو بكر، ولكن أرى أن تمكنني من فلان- أحد أقرباء سيدنا عمر- فأضرب عنقه، وتمكن عليًا من عقيل بن أبي طالب، فيضرب عنقه، وتمكن حمزة من فلان أخيه، فيضرب عنقه، حتى يعلم الله أنه ليست في قلوبنا هوادة للمشركين، وهؤلاء أئمتهم وقادتهم.
فيقول عمر بن الخطاب:
فهوى رسول الله صلى الله عليه وسلم ما قال أبو بكر، ولم يهو ما قلت، وأخذ منهم الفداء.
نلاحظ التقارب الشديد في الطباع بين الرسول صلى الله عليه وسلم وبين أبي بكر، وإن كان الصواب في الموقف كان مع عمر.
يقول عمر: فلما كان الغد غدوت إلى النبي صلى الله عليه وسلم وأبي بكر وهما يبكيان، فقلت:
يا رسول الله، أخبرني ماذا يبكيك أنت وصاحبك؟ فإن وجدت بكاءً بكيت، وإن لم أجد بكاء تباكيت لبكائكما.
لله درك يا ابن الخطاب، عملاق آخر صنعه الإسلام رقة متناهية مختفية خلف الشدة الظاهرة، وقلب يذوب ذوبانا في حب رسول الله وتواضع جم وأدب عظيم، فقال رسول الله: لِلَّذِي عَرَضَ عَلَيَّ أَصْحَابُكَ مِنْ أَخْذِهِمُ الْفِدَاءَ، فَقَدْ عُرِضَ عَلَيَّ عَذَابَهُمْ أَدْنَى مِنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ.
ولماذا العذاب؟ وكأن بعض الصحابة أرادوا الدنيا بهذا الرأي، وينزل قول الله:
[مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الأَرْضِ تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللهُ يُرِيدُ الآَخِرَةَ وَاللهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ(67)لَوْلَا كِتَابٌ مِنَ اللهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ] {الأنفال:67، 68}
الكتاب الذي سبق هو قوله تعالى:
[فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً] {محمد:4} .
ويلخص هذا كله رسول الله بتعليق جامع بعد قضية أسرى بدر، واختلاف العملاقين الكبيرين في الرأي:
إِنَّ مَثَلَكَ يَا أَبَا بَكْرٍ مَثَلُ إِبْرَاهِيمَ قال:
[فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ] {إبراهيم:36} .
وَمَثَلُكَ يَا أَبَا بَكْرٍ مَثَلُ عِيسَى قَالَ:
[إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ العَزِيزُ الحَكِيمُ] {المائدة:118}.
وَإِنَّ مَثَلَكَ يَا عُمَرُ مَثَلُ نُوحٍ قَالَ:
[رَبِّ لَا تَذَرْ عَلَى الأَرْضِ مِنَ الكَافِرِينَ دَيَّارًا] {نوح:26}.
وَمَثَلُكَ مِثَلُ مُوسَى قَالَ:
[رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُوا حَتَّى يَرَوُا العَذَابَ الأَلِيمَ] {يونس:88} .
ولا أحد يُخَطِّئ إبراهيم عليه الصلاة والسلام وعيسى عليه السلام في رحمتهما مع المذنبين، ولا أحد يخطئ نوح وموسى عليهما السلام في شدتهما في الحق.
إذن هذه المواقف وكثير غيرها توضح مدى الطبيعة الرقيقة الحانية التي جُبِل عليها الصديق رضي الله عنه.
هذه الرقة الشديدة والنفس الخاشعة، والطباع اللينة أورثت في قلب الصديق تواضعًا عظيمًا فاق كل تواضع.
تعالوا نرقبه بإمعان وهو يودع جيش أسامة بن زيد رضي الله عنهما، موقف عجيب، أسامة بن زيد دون الثامنة عشر من عمره، وهو جندي من جنود أبي بكر الصديق رضي الله عنه، وأبو بكر الصديق هو زعيم الدولة الأول، خليفة المسلمين يتجاوز في العمر الستين سنة، ومع ذلك يودع بنفسه جيش أسامة، وهو ماش على قدميه، وأسامة بن زيد يركب جواده، ولك أن تتخيل الموقف، أسامة على الجواد، وأبو بكر يسير بجواره على الأرض، قال أسامة: يا خليفة رسول الله، إما أن تركب وإما أن أنزل.
فقال: والله لستَ بنازل، ولستُ براكب، وما عليَّ أن أُغَبّر قدمي في سبيل الله ساعة.
يا الله، يا لها من تربية راقية تربية على منهج النبوة، يربي نفسه على التواضع، ويربي أسامة بن زيد على الثقة بالنفس، ويربي الجنود على الطاعة لهذا الأمير الصغير، ثم هو يربي كل المؤمنين على حسن التوجه وعلى إخلاص النية ووضوح الرؤية، ثم هو يريد عمر بن الخطاب معه في المدينة، وعمر بن الخطاب في جيش أسامة، ومع أن أبا بكر الصديق هو القائد الأعلى لكل الخلافة إلا إنه يستأذن أسامة بن زيد قائلًا:
إن رأيت أن تعينني بعمر فافعل.
أسامة بن زيد 18 سنة، أي من عمر شاب في الثانوية العامة اليوم. وهو لا يتصنع التواضع، ولكن هذا جزء لا يتجزأ من شخصيته رضي الله عنه وعن أصحابه، وصلي اللهم وبارك على الذي علم هؤلاء مكارم الأخلاق، وفضائل الأعمال.

Digg this Post!Add Post to del.icio.usBookmark Post in TechnoratiFurl this Post!
رد مع اقتباس

 

 رقم المشاركة : ( 3 )









آلآـؤـركيـدآ has a reputation beyond reputeآلآـؤـركيـدآ has a reputation beyond reputeآلآـؤـركيـدآ has a reputation beyond reputeآلآـؤـركيـدآ has a reputation beyond reputeآلآـؤـركيـدآ has a reputation beyond reputeآلآـؤـركيـدآ has a reputation beyond reputeآلآـؤـركيـدآ has a reputation beyond reputeآلآـؤـركيـدآ has a reputation beyond reputeآلآـؤـركيـدآ has a reputation beyond reputeآلآـؤـركيـدآ has a reputation beyond reputeآلآـؤـركيـدآ has a reputation beyond repute

الأوسمـة
بيانات الإتصال
آخر المواضيع

آلآـؤـركيـدآ غير متواجد حالياً


الالفية الرابعة عشر التواصل 1430 النوايا الحسنة العطاء الوسام الذهبي الاداره 1 

افتراضي رد: بلا عنوان لحين اكتمال الموضوع

بتاريخ : [ 10-19-2009 - 07:16 AM ]

نعمة السبق


السبق سمة واضحة جدًا في حياة الصديق رضي الله عنه وأرضاه، والشيطان كثيرًا ما يمنع الإنسان من عمل الخير عن طريق التسويف، وبالذات مع أهل الإيمان والتقوى، يقول له افعل الخير ولكن بعد يوم أو يومين أو شهر أو شهرين، ولا يقول له لا تفعل الخير، فالشيطان أذكى من ذلك، وعندما يؤجل الإنسان العمل، ولو للحظات قليلة يكون معرضًا بشدة لترك العمل، إما أن ينسى العمل، وإما أن تَجِدّ له ظروف تمنع من العمل من شغل، أو مرض، أو تتغير الحماسة في القلب، بل إن الإنسان قد يموت.
أبو بكر الصديق رضي الله عنه الرجل العاقل الحكيم كان يفهم لعبة الشيطان فهمًا جيدًا، كان يفهم لعبة التسويف، فما سمح للشيطان أبدًا أن يلعبها معه، كان رضي الله عنه وأرضاه أستاذًا في السبق ونبراسًا في الحسم، تشعر أنه يتحرك في حياته وقد وضع الآية الكريمة:
[وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا فَاسْتَبِقُوا الخَيْرَاتِ] {البقرة:148} .
نصب عينيه، فتجده في سباق دائم مع الزمن، وكأن اللحظة القادمة هي لحظة الموت، فلا بد أن يكون مستعدًا لها، أو هي لحظة الفتنة، فلا بد أن يكون ثابتًا، ومن المؤكد أنه سمع حديث رسول الله الذي رواه الإمام مسلم عن أبي هريرة والذي يقول:
بَادِرُوا بِالْأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ فِتَنًا كَقِطَعِ اللَّيْلِ الْمُظْلِمْ، يُصْبِحُ الرَّجُلُ مُؤْمِنًا، وَيُمْسِي كَافِرًا، وَيُمْسِي مُؤْمِنًا وَيُصْبِحُ كَافِرًا، يَبِيعُ دِينَهُ بَعَرَضٍ مِنَ الدُّنْيَا.
من يرى حياة الصديق رضي الله عنه يعلم أنه كان دائمًا يبادر بالأعمال الصالحة؛ اتقاء الفتن التي تظهر فجأة وعلى غير موعد سابق.
وإلى بعض الأمثلة التاريخية، على سبق الصديق رضي الله عنه;
سبقه إلى الإسلام أول ما يلفت الأنظار إلى أبي بكر الصديق رضي الله عنه سبقه إلى الإسلام، فمن المعروف أنه أول الرجال إسلامًا، ما تردد، وما نظر، وما قال آخذ يومًا أو يومين للتفكير، بل أسرع إليه إسراعًا، وهو أمر لافت للنظر جدًا، فهو لن يغير شكله، أو بيئته، أو بلده، بل سيغير إيمانه، وعقيدته التي عاش عليها طيلة 38 سنة، أحيانًا بعض الرجال يعتقدون أنه من الحكمة التروي جدًا في الأمر، وعدم التسرع، وأخذ وقت طويل في التفكير قبل الإقدام على خطوة من خطوات الحياة، وبالذات لو كانت خطوة مصيرية، وهذا قد يكون صوابًا في بعض الأحيان، ولكن في أحيان أخرى عندما يكون الحق واضحًا جليًا مضيئًا كالشمس في كبد السماء ساعة الظهر، يصبح التروي حماقة، وتصبح الأناة كسلًا، وتصبح كثرة التفكير مذمة، هذا مثلًا ما حدث مع قوم نوح، فقوم نوح كانوا يعيبون على الذين آمنوا مع نوح عليه السلام أنهم تسرعوا في الأمر ولم يتفكروا، قالوا:
[فَقَالَ المَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ مَا نَرَاكَ إِلَّا بَشَرًا مِثْلَنَا وَمَا نَرَاكَ اتَّبَعَكَ إِلَّا الَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا بَادِيَ الرَّأْيِ وَمَا نَرَى لَكُمْ عَلَيْنَا مِنْ فَضْلٍ بَلْ نَظُنُّكُمْ كَاذِبِينَ] {هود:27} .
فبادي الرأي معناها أولئك يبدون آرائهم لأول وهلة دون تفكير وتمحيص. وسبحان الله إنه لمن البلاهة أن ترى الشمس ساطعة، فتسأل عنها فتقول دعوني أفكر أولًا وأتروى: هل هي ساطعة أم لا؟
أو ترى نبعًا صافيًا سلسبيلًا في الصحراء، وأنت على مشارف الهلكة من العطش فتأخذ يومًا أو يومين تفكر هل أشرب أم لا؟!
كان أبو بكر الصديق رضي الله عنه وأرضاه يرى الحق بهذه الصورة، فلماذا التردد والانتظار؟!
عُرض عليه الإسلام غضًا طريًا واضحًا، فأنار الله قلبه بنور الهداية، وأدرك الحق من أول وهلة فلماذا الانتظار؟
روى البخاري عن أبي الدرداء رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
هَلْ أَنْتُمْ تَارِكُونَ لِي صَاحِبِي؟ هَلْ أَنْتُمْ تَارِكُونَ لِي صَاحِبِي؟
قال ذلك لما حدث خلاف بين أبي بكر الصديق رضي الله عنه وبين أحد الصحابة رضي الله عنهم أجمعين، ثم أكمل صلى الله عليه وسلم مسوغات أن يتركوا له صاحبه رضي الله عنه، قال:
إِنِّي قُلْتُ: أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا.
فَقُلْتُمْ: كَذَبْتَ. وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: صَدَقْتَ.
إذن هي فضيلة ولا شك أن أسرع إلى الإسلام هذا الإسراع، وسبحان الله مرت الأيام، وَصَدّق رسول الله صلى الله عليه وسلم أولئك الذين كذبوه من قبل، لكن كان أبو بكر هو الفائز بأجر السبق، من الناس من صدق بعد أيام من سماع الدعوة، ومنهم من آمن بعد سنوات، ومنهم من انتظر حتى تم الفتح ثم آمن، نعم الجميع آمن، والجميع صدق، لكن الصديق فاز بها [وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ(10)أُولَئِكَ المُقَرَّبُونَ(11)فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ]{الواقعة:10: 12}. الأيام التي تمر لا تعود أبدًا إلى يوم القيامة، ولا شك أن أولئك الذين تأخر إسلامهم أيامًا وشهورًا وسنوات، كانت الحسرة تأكل قلوبهم على أيام ضاعت في ظلمات الكفر، لكن الحسرة ما أعادت الأيام، ولا شك أن الذي سارع إلى الخيرات استمتع بهذه الأيام التي قضاها في الإيمان، وفي النهاية الأيام مرت على هذا وذاك، وأنا لا أذكر هذا الكلام للتاريخ، نحن في واقع حياتنا كثيرًا ما نتردد في أعمال الخير فنؤجلها يومًا، ويومين، وشهرًا أو شهرين، ثم نفعل الخير، أو لا نفعله.
[لَا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الفَتْحِ وَقَاتَلَ أُولَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُلًّا وَعَدَ اللهُ الحُسْنَى وَاللهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ] {الحديد:10} .
فالأعمال لها أجران، أجر العمل نفسه، وأجر المبادرة إليه، والسبق في تنفيذه، وقد يكون أجر السبق أعظم من أجر العمل نفسه؛ لأنها تكون بمثابة السُّنة الحسنة التي تسنها لغيرك فيقلدونك، فيكون لك أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة لا ينقص ذلك من أجورهم شيئًا.
روى الإمام مسلم عن جرير بن عبد الله رضي الله عنه قال ; قال رسول الله صلى الله عليه وسلم;
مَنْ سَنَّ فِي الْإِسْلَامِ سُنَّةً حَسَنَةً، فَلَهُ أَجْرُهَا، وَأَجْرُ مَنْ عَمِلَ بِهَا بَعْدَهُ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَنْقُصَ مِنْ أُجُورِهِمْ شَيْئًا، وَمَنْ سَنَّ فِي الْإِسْلَامِ سُنَّةً سَيِّئَةً كَانَ عَلَيْهِ وِزْرُهَا، وَوِزْرُ مَنْ عَمِلَ بِهَا مِنْ غَيْرِ أَنْ يَنْقُصَ مِنْ أَوْزَارِهِمْ شَيْئًا
لكن قضية إسلام أبي بكر الصديق بهذه السرعة قضية تحتاج إلى وقفة، بل وقفات، هذا قرار غير عادي، قرار مهول، بل أكثر من مهول، قرار يتبعه ترك الدين إلى دين غيره، قرار يتبعه هلكة الأموال والأولاد والأشراف، قرار يتبعه قتال الأبيض والأسود والأحمر من الناس، قرار يتبعه تكفير الآباء والآجداد، قرار يتبعه تعب ونصب ووصب، بل جهاد حتى الموت،
هذا قرار يغير المألوف الذي ألفه الناس سنوات وسنوات، وتغيير المألوف يحتاج إلى رجال من طراز خاص، وقد كان الصديق ذلك الرجل.
ولماذا اختار رسول الله صلى الله عليه وسلم الصديق من بين كل الناس، لكي يسر له بأمر الدعوة دون غيره؟
وقد كان من المنطقي أن يدعو الرسول أحد أقاربه قبل الصديق، وخاصة في هذه البيئة القبيلة، فلماذا لم يذهب رسول الله صلى الله عليه وسلم مثلًا لأبي لهب، أو العباس، أو حمزة، أو غيرهم من عائلته، وأهل بيته؟
وذلك ولا شك قد كان لأن أبا بكر الصديق رضي الله عنه كان أقرب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم من أقاربه، كما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم يرى في الصديق أمورًا، ولا شك، جعلته يتيقن أنه سيوافقه، بل يعينه على أمر هذه الدعوة، ويكون له شـأن عظيم لا يغفل في هذا الدين، فمــا الذي رآه رسول الله صلى الله عليه وسلم في الصديق رضي الله عنه؟

كيف أخذ الصديق هذا القرار الجريء المُغيّر؟

أو قل: لماذا لم يأخذ الآخرون القرار الذي أخذه الصديق ببساطة وسهولة؟
ما الذي يمنع الناس أن يؤمنوا فيتخلفوا عن ركب الصديق وأمثاله؟
وهنا نقف وقفة ونحلل، ولأننا لا نسرد التاريخ لمجرد العلم به، بل لكي نتحرك به خطوات إلى الأمام، فلنلاحظ الصفات التي كانت في الصديق رضي الله عنه وجعلته يسبق إلى الإسلام، فإن كانت موجودة عندنا، فالحمد لله، وإلا فلنستكملها، لأنه لا يمكن سبق بدونها، كذلك تساعدنا هذه الصفات في الحركة في دعوة الناس إلى الله، فمن كانت فيه مثل هذه الصفات الخيرة، فلنكن بادئين به، فإن للداعية أولويات لا بد أن تحترم، وقواعد لا بد أن تتبع. وقد حاولت أن ألم بمجمل تلك الصفات فحصرتها في عشرين صفة وهذه الصفات يكون بعضها موجود بعض الناس وبعضها الآخر في آخرين، وقد تجتمع في رجل واحد مثل الصديق رضي الله عنه.
أولًا: قبل كل شيء فإن الله يهدي من يشاء ويضل من يشاء
[إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالمُهْتَدِينَ] {القصص:56}.
فلما يختار الله للنبوة أفرادًا بعينهم يصطفيهم على بقية البشر، فإن الله بعد ذلك يصطفي عبادًا من عباده يعينون رسل الله في قضاء مهمتهم، وفي توصيل دعوتهم، وقد كان الصديق ولا شك في ذلك من هؤلاء المصطفين. بل إن الله يصطفي من البشر أناسًا على فترات متعددة بعيدًا عن زمان الرسل، يجددون لهذه الأمة أمر دينها، إذًا أول أمر هو اصطفاء الله للصديق لينال هذه المكانة الراقية وذلك لحكمة يعلمها سبحانه وتعالى، وكما صنع الأنبياء على عين الله عز وجل، فكذلك الصديق رضي الله عنه قد صنع على عين الله
وهنا قد يقول قائل أن هذا الأمر ليس بيده، أي اصطفاء الله له، ولكنه لا بد أن يعلم أن هذا الاصطفاء ليس عشوائيًا، حاشا لله، ولكن الله بسابق علمه يعلم أن في هذا العبد صلاحًا وإيمانًا، فيقربه، ويهديه، نـسـأل الله عز وجل أن نكون كذلك.
ثانيًا: قد يصد الناس عن سماع الحق كراهيتهم لقائله، والحق أن أهل مكة جميعًا ما كانوا يكرهون محمدًا قبل بعثته، بل كان جلهم أو كلهم يحبه صلى الله عليه وسلم، فهو الصادق الأمين الشريف العفيف، لكن أتراهم أحبوه مثلما أحبه الصديق رضي الله عنه؟
أشك كثيرًا في ذلك، فإني لا أعتقد أن أحدًا أحب أحدًا مثلما أحب الصديق محمدًا صلى الله عليه وسلم.
محمد صلى الله عليه وسلم وأبو بكر الصديق رضي الله عنه كانا صديقين حميمين حتى قبل البعثة، وكما ذكرنا من قبل، حديث الإمام مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:
الْأَرْوَاحُ جُنُودٌ مُجَنَّدَةٌ، فَمَا تَعَارَفَ مِنْهَا ائْتَلَفَ، وَمَا تَناكَرَ مِنْهَا اخْتَلَفَ.
فقد تعارفت روحا النبي صلى الله عليه وسلم والصديق رضي الله عنه، وأول درجات الدعوة الصحيحة أن يحب المدعو الداعية، وأن يحب الداعية المدعو، هذا الحب المتبادل يفتح القلب، وينور العقل، ولا شك أنه درس لا ينسى لكل الدعاة، إذا أردت أن يستجيب الناس لدعوتك فلا بد أولًا من حب متبادل، أَحِبّ الناس وكن أهلًا لحبهم.
ثالثًا: من الموانع الخطيرة لإجابة الدعوات الجديدة الصالحة، الكِبر، آفة عظيمة تصيب قلوب بعض العباد فتصدهم عن كل خير، الكبر أخرج إبليس من الجنة، والكبر أخرج المتكبرين في كل العصور من جنة الإيمان إلى جحيم الكفر والضلال
[وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ المُفْسِدِينَ] {النمل:14} .
الكبر أخرج معظم عمالقة الكفر في مكة من دائرة الإيمان إلى دائرة الجحود، بل قل معظم أفراد الكفر، فالكافر لا يكون عملاقًا، مثلًا الوليد بن المغيرة كان يستكبر أن يتبع محمدًا صلى الله عليه وسلم
[وَقَالُوا لَوْلَا نُزِّلَ هَذَا القُرْءانُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ القَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ] {الزُّخرف:31}.
لو نزل على عظيم في مكة كالوليد بن المغيرة، أو على عظيم في الطائف كعروة بن مسعود الثقفي، لو نزل على هؤلاء لاتبعوهم، ومحمد صلى الله عليه وسلم ليس عظيمًا فقط، بل هو أعظم الخلق أجمعين، ولكن مقياس العظمة عند هؤلاء مقياس مختل، فالعظمة عندهم لا تكون في خلق، ولا عقيدة، بل في وفرة مال أو سعة أملاك أو بأس سلطان.
هؤلاء المتكبرون المتغطرسون يطمس الله على قلوبهم، فلا يعرفون معروفًا ولا يُنكرون منكرًا
[سَأَصْرِفُ عَنْ آَيَاتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الأَرْضِ بِغَيْرِ الحَقِّ وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آَيَةٍ لَا يُؤْمِنُوا بِهَا وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الرُّشْدِ لَا يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الغَيِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآَيَاتِنَا وَكَانُوا عَنْهَا غَافِلِينَ] {الأعراف:146}.

وهكذا صرف الله قلوب المتكبرين عن الإيمان، ولكن أبو بكر الصديق رضي الله عنه ليس من هذا الصنف، كان الصديق متواضعًا شديد التواضع، هينًا لينًا سهلًا محببًا، ذكرنا طرفًا من تواضعه وسنذكر أطرافًا أخرى في مواقف قادمة، ومن الصعب أن تخص مواقف التواضع في حياة الصديق؛ لأن تواضعه لم يكن مختلقًا أو مصطنعًا، بل كان تواضعًا فطريًا أصيلًا في شخصيته، هذه النفس المتواضعة للحق كان من السهل عليها جدًا أن ترى سبيل الرشد، وأن تتخذه سبيلا، وأن ترى سبيل الغي، ولا تتخذه سبيلا، وهو درس لا يُنسى للدعاة، فدعوة الإنسان الهين اللين المتواضع أبرك ألف مرة من دعوة المتكبر المتغطرس، وإن كان زعيمًا ممكنًا، وسبحان الله، فكما أن الحب المتبادل يسهل الدعوة، ويسهل قبول الفكرة الجديدة، فالتواضع المتبادل يسهل الدعوة أيضًا، ويسهل قبول الفكرة الجديدة أيضًا، فالرسول محمد صلى الله عليه وسلم من أشد الناس تواضعًا، بل هو أشدهم على الإطلاق، ولا شك أن قبول الفكرة من الداعية الذي لا يتكبر على الخلق يكون سهلًا سلسًا طبيعيًا، بينما لا يقبل الناس عادة أفكار المتكبرين.

رابعًا: يمنع طائفة من الناس أن يصدقوا غيرهم أنهم شخصيًا اعتادوا الكذب، فالكذاب كثير الكذب، والخائن كثير الخيانة غالبًا ما يصعب عليه أن يصدق الآخرين، أو يأتمن الآخرين، ذلك لأنه دائم الظن أن الناس يفعلون كما يفعل، ويتصرفون كما يتصرف، وأبو بكر لم يكن صادقًا فقط، بل كان صديقًا، كان يستقبح الكذب، وما أوثر عنه كذبة واحدة، ورجل بهذه الصفات لا يفترض الكذب في غيره، بل هو يحسن الظن فيما يقال له، فما بالكم إذا كان الذي يحدثه رجل اشتهر بالصدق، والأمانة حتى لقب بالصادق الأمين صلى الله عليه وسلم، ولم يشتهر بهذا عامًا أو عامين بل أربعين سنة، ولم يشتهر بذلك في معظم أموره، بل كل أموره، فكيف للصديق أن يفترض الكذب في رجل داوم على الصدق أربعين سنة؟

وكيف لهذا الذي ترك الكذب على الناس أن يكذب على الله رب العالمين؟

هذا استنتاج بسيط لا يغيب عن عقل الصديق، بل إنه لم يغب عن ذهن رجل ما عاشر محمدًا ولا حتى رآه مثل هرقل ملك الروم، فإنه لما سأل أبا سفيان عن صدق النبي صلى الله عليه وسلم، قال أبو سفيان وكان ما زال كافرًا قال أنه لا يكذب، فقال هرقل: ما كان ليدع الكذب عليكم ليكذب على الله.

وهكذا فالصدق المتبادل بين الداعية والمدعو من أشد عوامل قبول الفكرة، وإن كانت جديدة تمامًا.

خامسًا: كثيرًا ما يمتنع كبراء القوم عن إجابة الدعوات، بل يواظبون على حربها، ومقاومتها بسبب الخوف على السيادة والحكم.

فالحاكم الذي يستمد قوته من شرعه الذي وضعه للناس، يخشى إن جاء شرع جديد أن يستبدل بصاحب هذا الشرع، والرسول صلى الله عليه وسلم يدعو أن يكون الحكم لله

[إِنِ الحُكْمُ إِلَّا للهِ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ ذَلِكَ الدِّينُ القَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ] {يوسف:40}.

ألا لله [أَلَا لَهُ الخَلْقُ وَالأَمْرُ تَبَارَكَ اللهُ رَبُّ العَالَمِينَ] {الأعراف:54}.

فأسياد البلد يرفضون السيادة الجديدة، وهذا الأمر صد طائفة ضخمة من حكام مكة في ذلك الزمان، وهذا الأمر هو الذي صد زعماء القوم من زمان نوح وإلى يوم القيامة، الخوف على السلطان، عبد الله بن أُبَي ابن سلول زعيم المنافقين في المدينة، لماذا كان يكره محمدًا صلى الله عليه وسلم؟

لأن الأوس والخزرج كانوا ينسجون له الخرز حتى يتوجوه ملكًا على المدينة، ثم جاء رسول الله صلى الله عليه وسلم، فاستلم سدة الحكم بالمدينة، وجعل الشرع لله والأمر لله والحكم لله، فأبت نفس ابن أبي سلول ذلك، فرفض الإيمان، ثم ادعاه ظاهرًا فأصبح منافقًا، أما أبو بكر الصديق رضي الله عنه فلم يكن زعيمًا من زعماء قريش، وإن كان من أهل الشرف هناك، فلم يكن يخاف على ملك ضائع، أو سلطان مبدد، فلم تكن السيادة والزعامة عائقًا أمامه، والرسول الكريم صلى الله عليه وسلم أيضًا لم يكن زعيمًا في مكة، ولم يكن يطلب زعامة بدعوته الجديدة، بل عرضت عليه الزعامة مقابل ترك هذه الدعوة، فرفض رفضًا حاسمًا باتًا، وهكذا التقى الحبيبان من جديد النبي محمد صلى الله عليه وسلم والصديق رضي الله عنه، التقيا في رفض الزعامة، ورفض طلبها، فهان على محمد صلى الله عليه وسلم توصيل الدعوة، وهان على الصديق رضي الله عنه قبولها، ولكنه هذا لا يعني عدم قبول الزعماء للدعوة بشكل مطلق، فقد يهدي الله أحدهم، كما حدث مع سعد بن معاذ، وسعد بن عبادة، وهم من زعماء الأنصار، ولكن لا تبدأ بالزعمـاء.

سادسًا: تعارض المصالح من أشد المعوقات لقبول الدعوات الجديدة، وخاصة المصالح المالية، قد تؤثر الدعوة الجديدة سلبًا على مصلحة أحد الناس المادية، فيقاوم الدعوة حفاظًا على مصلحته، وأبو بكر الصديق كان تاجرًا، ودين الإسلام لا يمنع التجارة، بل على العكس يحفز عليها، وهو حتى إن لم يكن يعرف تفاصيل هذا الدين، وماذا يبيح أو يمنع التجارة؟ إلا أنه يرى الداعية لهذا الدين يعمل تاجرًا، وذلك أكثر من خمسة عشر عامًا متتالية منذ زواجه من السيدة خديجة رضي الله عنها، بل قبل ذلك، فقد كان يرعى تجارة عمه أبي طالب، إذن الوظيفة محفوظة، لكن ما بال تجار مكة غير الصديق يقاومون الدعوة بينما انخرط فيها الصديق؟

Digg this Post!Add Post to del.icio.usBookmark Post in TechnoratiFurl this Post!
رد مع اقتباس

 

 رقم المشاركة : ( 4 )









آلآـؤـركيـدآ has a reputation beyond reputeآلآـؤـركيـدآ has a reputation beyond reputeآلآـؤـركيـدآ has a reputation beyond reputeآلآـؤـركيـدآ has a reputation beyond reputeآلآـؤـركيـدآ has a reputation beyond reputeآلآـؤـركيـدآ has a reputation beyond reputeآلآـؤـركيـدآ has a reputation beyond reputeآلآـؤـركيـدآ has a reputation beyond reputeآلآـؤـركيـدآ has a reputation beyond reputeآلآـؤـركيـدآ has a reputation beyond reputeآلآـؤـركيـدآ has a reputation beyond repute

الأوسمـة
بيانات الإتصال
آخر المواضيع

آلآـؤـركيـدآ غير متواجد حالياً


الالفية الرابعة عشر التواصل 1430 النوايا الحسنة العطاء الوسام الذهبي الاداره 1 

افتراضي رد: بلا عنوان لحين اكتمال الموضوع

بتاريخ : [ 10-19-2009 - 07:33 AM ]

مكة بلد آمن، وبه المسجد الحرام وأهل الجزيرة العربية كانوا يذهبون بتجارتهم، وأموالهم يتاجرون في هذا المكان الآمن، وتجار مكة يستفيدون من هذا تمامًا، فإذا انتشرت دعوة محمد صلى الله عليه وسلم، فأهل مكة يتوقعون حربًا لها من العرب، وستتحول البلد الآمن إلى بلد قلاقل وفتن ولا يأمنوا على تجارتهم؛ فلذلك سارعوا حماية لمصالحهم التجارية والاقتصادية، بمقاومة الدعوة في مهدها، بينما الصديق وإن كان تاجرًا، إلا أنه جُبِل على العطاء والكرم والزهد في المال حتى قبل إسلامه، فلم يكن حب المال عائقًا أمام الصديق يمنع من دخول الدين، وسيأتي تفصيل هذه النقطة إن شاء الله عند الحديث عن السمة الرابعة من سمات الصديق وهي ( إنكار الذات ) إذ نذكر طرفًا من عطائه رضي الله عنه، لكن المهم هنا أن نعلم أن تجار مكة الذين تغلغل حب المال في قلوبهم كانت أموالهم حجر عثرة في طريق إيمانهم، بينما تميز الصِّديق عن أقرانه بعطائه وكرمه،.ما بالكم إن كان يستمع إلى دعوة تأتي على لسان رجل ما تعلق بالمال في حياته ولو مرة واحدة سواء قبل بعثته أو بعد بعثته، وسواء قبل تمكينه أو بعد تمكينه، لا شك أن لقاء الزاهدين في المال سيكون لقاءًا مثمرًا إيجابيًا، فإن أردت أن تبدأ فابدأ بالكريم، الذي لا يتعلق بمال، ولا يبكي على ثروة.

سابعًا: التحرر من قيود القبلية والتعصب.

والقبلية عند المتحمسين تكون حاجزا لا يُعبر، وعائقًا لا يُتخطى، وخاصة في هذه البيئة العربية، ويزداد الأمر خطورة إذا كان هناك تنافس شديدًا وحاميًا بين قبيلتين من القبائل، فهذا الأمر على سبيل المثال هو الذي صد رجلًا عاقلًا حكيمًا كعمرو بن هشام (أبو جهل) فإذا به بسبب قبيلته ينقلب إلى أبي جهل، قال أبو جهل وهو من قبيلة مخزوم:

تنازعنا نحن وبنو عبد مناف الشرف، أطعموا، فأطعمنا، وحملوا، فحملنا، وأعطوا، فأعطينا، حتى إذا تحاذينا على الركب، وكنا كفرسي رهان، قالوا: لنا نبي يأتيه الوحي من السماء.

فمتى ندرك هذه؟ والله لا نؤمن به أبدًا ولا نصدقه.

فهكذا منعت القَبَلية أبا جهل وأمثاله من دخول الإسلام.

ورجلٌ من بني حنيفة، وهي فرع من ربيعة آمن بمسيلمة الكذاب، وكفر بما أنزل على محمد صلى الله عليه وسلم، ولما سئل عن ذلك قال:

والله أعلم أن محمدًا صادق، وأن مسيلمة كذاب، لكن كاذب بني ربيعة، أحب إليَّ من صادق مضر.

أبو بكر الصديق رضي الله عنه من قبيلة ضعيفة، وهي فرع صغير من فروع قريش، تلك هي قبيلة تيم، ولم تكن القبيلة تنازع أحدًا، أو تنافس أحدًا فوقاه الله بذلك شر التعصب القبلي، ثم هو يستمع الدعوة من رجل نجيب كالنبي محمد صلى الله عليه وسلم أشرف قريش نسبًا، ومن قبيلة قوية ذات منعة، ومع ذلك فالرسول محمد صلى الله عليه وسلم لا يعتمد على نسبه وقبيلته، بل يدعو أبا بكر وهو من قبيلة أخرى، وهي كما ذكرنا قبيلة ضعيفة نسبيًا، إذن هذان رجلان نزعا من قلبيْهما حمية الجاهلية، ونزعا من قلبيْهما النعرة القبلية، وبحثَا عن الحق أينما كان، لا فرق بين هاشمي أو مخزومي، ولا هاشمي وتيمي، بل لا فرق بين قريش وغيرها، بل لا فرق عربي وأعجمي، الدعوة لجميع الخلق، والمفاضلة بينهم بالتقوى، هذا مقياس عادل يعجب رجلًا حصيفًا كأبي بكر الصديق رضي الله عنه.

والقبلية قديمًا هي في مقابل القومية حديثًا، فالقومية العربية، والقومية التركية، والقومية البربرية ،والقومية الكردية، كل هذه صور من القبلية القديمة صدت ومازالت تصد كثيرًا من الناس عن سماع كلمة الحق وإجابة داعي الإيمان، وما تفرق المسلمون إلا بقومياتهم، ووالله لا يجتمعون إلا على الإسلام، وذلك مصداقًا لقول الفاروق رضي الله عنه:

نحن قوم أعزنا الله بالإسلام، فأينما ابتغينا العزة بغيره أذلنا الله.

ثامنًا: بعض الناس يكون أسيرًا للتقاليد، وإن كانت باطلة، ويكون مفتونًا بالآباء والأجداد، ولا يتخيل أن ما عاش هو عليه فترات وعاش عليه الأقدمون فترات أطول ما هو إلا ضلال في ضلال، الدين الجديد لا يُسَفّه أحلامهم فقط، بل يسفه أحلام السابقين، يسفه أحلام الآباء والأجداد، يهدم التقاليد، يزلزل التراث، هذا الذي صد رجلًا مثل أبي لهب، فأبو لهب من ذات قبيلة الرسول صلى الله عليه وسلم، بل هو عمه، لكنه يرفض أن يسفه فكر الآباء والأجداد، وأن يسفه فكره هو شخصيًا، ولذلك فهو يرفض الدعوة، بل أشد من ذلك وأعجب أبو طالب عم رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومن أكثر الناس رعاية له، ومن أشد الناس حبًا فيه، ومع ذلك وقف حاجز التقاليد أمام إيمانه، ووقف تقديسه لآبائه وأجداده أمام دخول الدين مع أنه يصدق محمد في كل كلمة قالها، لكن أيخالف الأجداد؟

هذا في عرفه مستحيل، فإذا به على فراش الموت، وخير الدعاة وأحب الخلق إلى أبي طالب يقف على رأسه يرجوه أن يقول كلمة واحدة، ثم سيموت بعدها: أَيْ عَمِّ قُلْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ كَلِمَةً أُحَاجُّ لَكَ بِهَا عِنْدَ اللَّهِ.

وماذا سيضره بعد الموت من كلام الناس والعرب، ولكن أبدًا التقاليد الموروثة والعقائد العقيمة المسمومة، أبو جهل وعبد الله بن أبي أمية يقفان على رأسه يلعبان على هذا الوتر القبيح، وتر التقاليد المخالفة للشرع، يقولان:

يا أبا طالب ترغب عن ملة عبد المطلب. فلم يزالا يكلماه حتى كانت آخر كلماته:

على ملة عبد المطلب.

لا حول ولا قوة إلا بالله خسارة فادحة، وخطب عظيم، أبو بكر الصديق رضي الله عنه لم يكن متمسكًا بتقاليد آبائه وأجداده، وكان من القليلين الذين يرتبطون بالحق لا بقائل الكلام، فالرجال يُعرفون بالحق، ولا يُعرف الحق بالرجال، فهو يعلم أن الحق قد يأتي على لسان رجل شاب من قبيلة أخرى، وقد لا يأتي على لسان مُعَمّر خبير ولو كان أبوه أو جده، كما أن الله مَنّ عليه بأبيه وأمه أحياء عند ظهور الدعوة الإسلامية، فما زالت هناك الفرحة عند دعوتهما إلى الحق، وبذلك لا تسفه أحلامهما، وقد تم له بفضل الله ما أراد وما استراح إلا وقد أدخل أبويه وأولاده وزوجاته في هذا الدين، فاعرض كل تقليد أو موروث من الآباء والأجداد على الحق، فإن اتفق فبها ونعمت، وإن خالف، فلا تعدل بشرع الله شيئًا.

تاسعًا: بعض الناس يفتنون بالديانة القديمة، ويعتقدون في صحتها، وفي نبل القائمين عليها، هذا الذي صد بعض النصارى مثلًا، فهم قد غالوا في المسيح جدًا حتى جعلوه إلهًا، أو ابن الله، تعالى عما يصفون، ومن ثم فهم لا يتخيلون أن يأتي رجل، أو تأتي دعوة ترد هذا الإله المعبود إلى عبوديته، وترد هذا الرب إلى بشريته، فكانت الحرب التي لا هوادة فيها.

أما أبو بكر الصديق رضي الله عنه، فأي شيء يُعَظّم؟

أيُعَظّم اللات؟

أيعظم العزى؟

أيعظم هبل؟

ألهم تاريخ يشهد لهم بالاحترام والتقديس؟

أبو بكر الصديق رضي الله عنه ما سجد لصنم قط في حياته سواء قبل إيمانه أو بعد إيمانه، بل كان دائم الازدراء لهذه الأحجار، ويعلم علم يقين أنها ليست آلهة، فكيف ينفع غيره من لا يستطيع نفع نفسه؟

فكانت دعوة الإسلام لأبي بكر خلاصًا من دين ثقيل على النفس، وراحة لقلب شك طويلًا في اللات والعزى ومناة الثالثة الأخرى.

عاشرًا: من العوائق الهامة عند بعض الناس، أو عند كثير من الناس انغلاق الفكر، وضيق الأفق، وغياب الفطنة والذكاء، والحقيقة إنني اعتبر الكافر إنسانًا غبيًا شديد الغباء بكل ما تحمله الكلمة من معان، حتى وإن كان في ظاهره عالمًا أو حكيمًا أو فيلسوفًا إذ كيف لا يهديه ذكاؤه إلى أن خالق هذا الكون بما فيه هو إله حكيم قدير ليس كمثله شيء، دائمًا ما تأتي آيات التدبر والبحث لأولي الألباب والعقول والنهي:
[إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الأَلْبَابِ] {الرعد:19}.

[أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا مَا بِصَاحِبِهِمْ مِنْ جِنَّةٍ إِنْ هُوَ إِلَّا نَذِيرٌ مُبِينٌ] {الأعراف:184} .

[قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُمْ بِوَاحِدَةٍ أَنْ تَقُومُوا للهِ مَثْنَى وَفُرَادَى ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا مَا بِصَاحِبِكُمْ مِنْ جِنَّةٍ إِنْ هُوَ إِلَّا نَذِيرٌ لَكُمْ بَيْنَ يَدَيْ عَذَابٍ شَدِيدٍ] {سبأ:46} .

كيف يعقل أن الحجر الأصم خلق، وصور، وهدى، ورحم، وعاقب، ورزق، ونجّا؟

كيف يعقل أن بقرة تشرع أو أن شجرة تحكم وتدبر؟

الكافر شديد الغباء، هذا الذي منع مثلًا رجلًا مثل حبيب بن عمرو الثقفي من زعماء ثقيف في الطائف، قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم:

والله لا أكلمك أبدا، لئن كنت رسولا من الله كما تقول لأنت أعظم خطرا من أن أرد عليك الكلام، ولئن كنت تكذب على الله ما ينبغى لى أن أكلمك.

وكأنه لا يستطيع التفكير وما قاده عقله القاصر إلا إلى هذا الجهل المُطبق.

وأبو بكر الصديق رضي الله عنه ليس كذلك، بل هو حاد الذكاء تمامًا وكثيرًا ما كان يلتقط ببساطة ما يذهب عن ذهن الجميع، اتسم بذكاء فطري، وعبقرية فذة، إذا كان يلتقط الصعب من الأمور، أفلا يلتقط أن لهذا الكون خالقًا؟ وأن محمدًا رسول؟

حادي عشر: الجبن والخوف الشديد إلى درجة الهلع يمنع كثيرًا من الناس من تغيير المألوف، الجبن يمنع كثيرًا من البشر أن يظهروا آراءهم، أو يعبروا عن أفكارهم، وكم من قضية ماتت بسبب جبن أصحابها، وكم من حق ضاع بسبب جبن طلابه، أبو بكر أشجع الصحابة وأقواهم شكيمة، ما نكص على عقبيه منذ أسلم، ولم يؤثر عنه فرار ولا خضوع ولا فتور، فلما عرض عليه الإسلام، ورأى الحق فيه ما خاف من أحد، ولا اعتبر بالجموع التي ستواجه الدعوة حتمًا، والإسلام قرار جريء، ويحتاج إلى رجل جريء وكان أبو بكر رضي الله عنه ذلك الرجل.

ثاني عشر: الانغماس في الشهوات أيضًا من الموانع المعروفة للدعوات الإصلاحية، فصاحب الشهوات لا يريد أن ينقطع عنها، ولا يريد أن يبتعد عنها ولو إلى فترة قليلة

[فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا] {مريم:59}.

هكذا الذي جعل من نفسه تابعًا للشهوات لا بد أن يضيع الصلاة، ومن أضاع الصلاة كان على إضاعة غيرها أقدر، بل إنه الله يجعل طائفة من الناس وكأنهم يعبدون هواهم وشهواتهم، اسمع إلى قوله عز ووجل:

[أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللهُ عَلَى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللهِ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ] {الجاثية:23} .

هذا الرجل الغارق في الشهوات المنغمس في المعاصي يكون بعيدًا تمامًا عن الدعوات الأخلاقية الفاضلة.

أبو بكر لم يكن من هذه الطائفة، بل على العكس، إنه من خيار الناس أخلاقًا حتى قبل إسلامه، ويعظم من شأن الفضائل والمكارم، وما طعنه طاعن بشيء في أخلاقه، حتى بعد إسلامه ومعاداته للكفر والكافرين، ودعوة الإسلام هي دعوة الأخلاق العظمى في الأرض، والداعي إليها صلى الله عليه وسلم أكمل البشر أخلاقًا، قبل وبعد البعثة، ولا يخفى ذلك على أحد، وكان الجميع يعلم أن هذه الدعوة هي دعوة أخلاق، حتى قبل التحريم الكامل للخمر، والزنا، والربا، وغيرها من الفواحش، ها هو جعفر بن أبي طالب رضي الله عنه يخاطب النجاشي ملك الحبشة في العام الخامس من البعثة يصف أخلاق الإسلام:

أيها الملك كنا قومًا أهل جاهلية، نعبد الأصنام، ونأكل الميتة، ونأتي الفواحش، ونقطع الأرحام، ونسيء الجوار، ويأكل منا القوي الضعيف، فكنا على ذلك حتى بعث الله إلينا رسولًا منا نعرف نسبه، وصدقه، وأمانته، وعفافه، فدعانا إلى الله وحده؛ لنوحده، ونعبده، ونخلع ما كنا نعبد نحن وآباؤنا من دونه من الحجارة، والأوثان، وأَمَرَنا بصدق الحديث، وأداء الأمانة، وصلة الرحم، وحسن الجوار، والكف عن المحارم والدماء، ونهانا عن الفواحش، وقول الزور، وأكل مال اليتيم، وقذف المحصنات، .

إذن الدعوة الإسلامية أخلاقية منذ اللحظات الأولى لها، ورجل له أخلاق الصديق لا بد أن يستجيب لهذه الدعوة.

ثالث عشر: من الموانع الخطيرة للدعوات الإصلاحية التعود على الذل.

يكون المرء ذليلًا لا يستطيع الحراك إلا بإذن الذي يسقيه الذل والهوان، وأبو بكر الصديق رضي الله عنه كان عزيزًا في قومه، صاحب رأي وشرف ومكانة، فكان يأخذ رأيه بإرادته، لا يمليه عليه أحد، والإنسان الذليل ليس بالتبعية أن يكون عبدًا، فكم من العبيد كانت لهم نفوس حرة، وكم ممن يظنون أنفسهم أحرارًا هم أذلاء لغيرهم، هذا بلال العبد يأخذ قراره بنفسه وينخرط بسرعة في فريق المؤمنين، وهذا على الجانب الآخر وفد بني شيبان، وهو على درجة عالية من المكانة والعز والشرف بين العرب يرفض الإسلام لماذا؟

لأنهم أذلاء لفارس، يسكنون بجوار فارس، ومع عزتهم الظاهرة إلا أنهم لا يأخذون قرارًا ولا يقطعون رأيًا يغضب الأسياد الفارسيين، وقالوا:

إن هذا الأمر- أي الإسلام- مما تكرهه الملوك.

ولذلك أجلوا إسلامهم سنوات وسنوات؛ ولذلك نلاحظ رسالة الرسول صلى الله عليه وسلم مثلًا إلى هرقل عظيم الروم، كان مما قاله فيها صلى الله عليه وسلم:

أَسْلِمْ تَسْلَمْ يُؤْتِكَ اللَّهُ أَجْرَكَ مَرَّتَيْنِ، فَإِنْ تَوَلَّيْتَ فَإِنَّ عَلَيْكَ إِثْمَ الأَرِيسِيِّينَ. كما جاء في البخاري.

وفي رسالة كسرى فارس قال صلى الله عليه وسلم: فَإِنْ تُسْلِمْ تَسْلَمْ، وَإِنْ أَبَيْتَ فَإِنَّ إِثْمَ الْمَجُوسِ عَلَيْكَ.

فشعوب الروم وفارس كانت ذليلة، لا تأخذ قرارا إلا بعد رأي الأسياد، حتى لو كان القرار قرار جنة أو نار.

رابع عشر: دعوة الإسلام دعوة رقيقة لطيفة حانية، تمس القلب، وتربت على الكتف، وتسمو بالروح، وقلوب العباد متفاوتة، فمنهم من له قلب ألين من الحرير، ومنهم من قلوبهم كالحجارة أو هي أشد قسوة، ولا شك أن غليظ الطباع، قاسي القلب، جافي النفس، سيكون بعيدًا عن هذا الدين، ولا شك أيضًا أن أبا بكر الصديق لم يكن كذلك، وتحدثنا كثيرًا عن رقته وعاطفته الجياشة ودموعه القريبة، ورجل كهذا لا بد أن يدخل الإيمان في أعماق قلبه، ولا بد أن يتأثر بكلمات الرحمن عز وجل، ولا بد أن يتأثر بكلام حبيب الرحمن صلى الله عليه وسلم:

[اللهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللهِ ذَلِكَ هُدَى اللهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُضْلِلِ اللهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ] {الزُّمر:23}.

فإذا بدأت فابدأ برقيق القلب، ليّن الجانب، واتل عليه كتاب الله، وسترى عجبًا.

خامس عشر: بعض الناس يعاني مرضا خطيرا لا يرجى في وجوده تغيير ولا إصلاح، بل يقعده هذا المرض حتى يرى كيف تسير الأمور؟ ثم يسير معها أينما سارت، ذلك المرض هو السلبية، السلبية تقعد بصاحبها عن كل خير، فلا يفعله إلا إذا فعله الناس، ويصبح بذلك رجل إمعة، كهذا الذي صوره لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم في حديث له رواه الترمذي عن حذيفة رضي الله عنه:

لَا تَكُونُوا إِمَّعَةً تَقُولُونَ: إِنْ أَحْسَنَ النَّاسُ أَحْسَنَّا، وَظَلَمُوا ظَلَمْنَا، وَلَكِنْ وَطِّنُوا أَنْفُسَكُمْ إِنْ أَحْسَنَ النَّاسُ تُحْسِنُوا، وَإِنْ أَسَاءُوا فَلَا تَظْلِمُوا.

فالرجل الإمعة هذا لا يصلح إلا أن يكون تابعًا، وهي صفة من صفات المنافقين

[الَّذِينَ يَتَرَبَّصُونَ بِكُمْ فَإِنْ كَانَ لَكُمْ فَتْحٌ مِنَ اللهِ قَالُوا أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ وَإِنْ كَانَ لِلْكَافِرِينَ نَصِيبٌ قَالُوا أَلَمْ نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكُمْ وَنَمْنَعْكُمْ مِنَ المُؤْمِنِينَ فَاللهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ القِيَامَةِ وَلَنْ يَجْعَلَ اللهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى المُؤْمِنِينَ سَبِيلًا]{النساء:141} .

هذه السلبية هي التي صدت رجلًا عاقلًا مثل عتبة بن ربيعة، فإنه لما سمع كلام الله عز وجل على لسان الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم، وأثرت فيه الآيات المعجزات من صدر سورة فصلت، عاد إلى قومه مسرعًا يتحدث عن القرآن، وكأنه داعية من دعاة الإسلام، قال:

سمعت قولًا، والله ما سمعت مثله قط، والله ما هو بالشعر، ولا بالسحر، ولا بالكهانة.

فماذا كان نتيجة هذا اليقين بصدق ما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم، وماذا فعل بعد العلم، اقرأ إليه وهو يعرض رأيه، يقول عتبة بن ربيعة:

يا معشر قريش، أطيعوني واجعلوها بي، خلوا بين هذا الرجل وبين ما هو فيه، فاعتزلوه، فوالله ليكونن لقوله الذي سمعت منه نبأ عظيم، فإن تصبه العرب، فقد كفيتموه بغيركم، وإن يظهر على العرب، فملكه ملككم، وعزه عزكم، وكنتم أسعد الناس به.

قالوا: سحرك والله يا أبا الوليد بلسانه.

قال: هذا رأيي فيه، فاصنعوا ما بدا لكم.

فالرجل عتبة بن ربيعة سلبي إلى أبعد درجات السلبية، فهو على يقين من صدق محمد صلى الله عليه وسلم، ويعلم أن هذا الكلام ليس بكلام بشر، ومع ذلك فرأيه الذي يظنه حكيما أن تخلي قريش بين الرسول صلى الله عليه وسلم وبين العرب، فإن انتصر العرب عليه فهم مع العرب، وقد أراحوا أهل قريش من محمد صلى الله عليه وسلم ولم يصبهم أذى، وإن انتصر محمد صلى الله عليه وسلم على العرب سارعوا بالانضمام إلى محمد صلى الله عليه وسلم، سلبية مطلقة، فلما اعترض القوم على كلامه وقالوا:

سحرك والله يا أبا الوليد بلسانه.

فماذا فعل؟

ماذا فعل أبو الوليد الرجل العاقل الحكيم الذي أدرك صدق الرسالة؟

قال: هذا رأيي فيه، فاصنعوا ما بدا لكم.

والقوم صنعوا السيئ والقبيح، فإذا به يصنع السيئ والقبيح معهم، بل إنهم خرجوا يقاتلون النبي صلى الله عليه وسلم في بدر، فإذا بعتبة بن ربيعة يحمل سيفه، ويخرج مع الكافرين يقاتل رجلًا تيقن أنه نبي، أي سلبية، وأي إمعية، هذا الطراز الفاشل لا يصلح للدعوات المصلحة.

أبو بكر الصديق رضي الله عنه على طرفي النقيض من عتبة بن ربيعة، فليس في الإسلام رجلًا بعد النبي صلى الله عليه وسلم أبعد عن السلبية من أبي بكر الصديق رضي الله عنه، ظهرت إيجابيته في كل مواقفه رضي الله عنه، ظهرت في إسلامه، وفي إعتاقه للعبيد، وفي دفاعه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في فترة مكة، ثم المدينة، وفي إعداده للهجرة، وفي ثباته في كل غزوات الرسول صلى الله عليه وسلم، وظهرت إيجابيته عند وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وظهرت في حروب الردة وفارس والروم، وفي جمعه للقرآن، ظهرت إيجابيته في مساعدة الفقراء والمحتاجين وكبار السن من عامة المسلمين، كان رضي الله عنه وأرضاه نبراسًا لكل مصلح، ودليلًا لكل محسن، وما معروفًا إلا وأمر به، ولا رأى منكرًا إلا وحاول تغييره بكل طاقاته، بيده، ولسانه، وقلبه؛ لذلك شق عليه كثيرًا أن يرى بعض المؤمنين يتركون النهي عن المنكر؛ لأنهم فهموا آية من آيات الله عز وجل على غير معناها الصحيح، لقد سمع بعض المؤمنين الآية الكريمة

[يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ إِلَى اللهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ] {المائدة:105} .
ظن بعض المؤمنين أن هذه دعوة إلى ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ظنوا أن الله يقول لهم: عليكم أنفسكم؛ أي اهتموا بأنفسكم فقط لا يضركم ضلال الآخرين فلا تهتموا بهم.
والأمر على خلاف ذلك تمامًا، وقف أبو بكر رضي الله عنه ليصحح لهم الفهم، وليصلح فهم الطريق، قال بعد أن حمد الله وأثنى عليه:
أيها الناس إنكم تقرءون هذه الآية:
[يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ إِلَى اللهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ] {المائدة:105} .


Digg this Post!Add Post to del.icio.usBookmark Post in TechnoratiFurl this Post!
رد مع اقتباس

 

 رقم المشاركة : ( 5 )









آلآـؤـركيـدآ has a reputation beyond reputeآلآـؤـركيـدآ has a reputation beyond reputeآلآـؤـركيـدآ has a reputation beyond reputeآلآـؤـركيـدآ has a reputation beyond reputeآلآـؤـركيـدآ has a reputation beyond reputeآلآـؤـركيـدآ has a reputation beyond reputeآلآـؤـركيـدآ has a reputation beyond reputeآلآـؤـركيـدآ has a reputation beyond reputeآلآـؤـركيـدآ has a reputation beyond reputeآلآـؤـركيـدآ has a reputation beyond reputeآلآـؤـركيـدآ has a reputation beyond repute

الأوسمـة
بيانات الإتصال
آخر المواضيع

آلآـؤـركيـدآ غير متواجد حالياً


الالفية الرابعة عشر التواصل 1430 النوايا الحسنة العطاء الوسام الذهبي الاداره 1 

افتراضي رد: بلا عنوان لحين اكتمال الموضوع

بتاريخ : [ 10-19-2009 - 07:53 AM ]

وإنكم تضعونها على غير موضعها، وإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:
إِنَّ النَّاسَ إِذَا رَأَوُا الْمُنْكَرَ وَلَا يُغَيِّرُونَهُ يُوشِكُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ أَنْ يَعُمَّهُمْ بِعِقَابِهِ. روى ذلك أصحاب السنة، والإمام أحمد، وابن ماجه، وهكذا فإن الرجل الإيجابي العظيم كان ولا بد أن يسعى للتغيير، والإصلاح إذا وجد المنهج القويم المعين على ذلك، وقد وجد ضالته في الإسلام فما تردد ولا تأخر.
سادس عشر: كثيرًا ما يقتنع الرجل بفكرة، أو قضية، أو موضوع، ثم إذا به يُصَد عنها بصحبته السيئة،فكما روى الترمذي وأبو داود عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:
الرَّجُلُ عَلَى دِينِ خَلِيلِهِ، فَلْيَنْظُرْ أَحَدُكُمْ مَنْ يُخَالِلْ.
كثيرًا ما رأينا في فترة مكة مجموعات من الأصدقاء تؤمن أو مجموعات من الأصدقاء تكفر، فالرجل يتأثر بأحبابه وأصحابه، رأينا مثلًا رجلًا عاقلًا ذكيًا لبيبًا مثل خالد بن الوليد رضي الله عنه يتأخر الإسلام عشرين سنة كاملة، فمَنْ أصحابه المقربون؟
عمرو بن العاصي رضي اله عنه، ظل أيضًا عشرين سنة كافرًا،
وعثمان بن أبي طلحة ظل أيضًا كافرًا عشرين سنة، والثلاثة من أصحاب الذكاء والفطنة والمروءة والنجدة، لكن اجتمعوا على باطل، فأضل كل واحد منهم صاحبيه، وتعاهدوا على ذلك، ثم سبحان الله بعد السنوات الطوال، يدخل الإيمان تدريجيًا في قلب أحدهم فيسري بسهولة إلى الآخر، ثم إلى الثالث، ثم إذا بهم يذهبون للإسلام على يد الرسول صلى الله عليه وسلم في يوم واحد في السنة السابعة للهجرة، وذلك ليثبتوا قيمة الصحبة، وقيمة الأخلّاء فلما كانوا على الكفر تعاهدوا عليه، ولما أشرف الإيمان في قلوبهم أيضًا تعاهدوا عليه.
مثال آخر: هو أبو البَختري بن هشام، وكان من المشركين، لكنه لم يكن يؤذ رسول الله صلى الله عليه وسلم، بل على العكس كان من الذين قاموا لنقض صحيفة المقاطعة المشهورة، ولكونه كف الأذى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن قتله يوم بدر، فقابله أحد الصحابة المجذر بن زياد البلوي، فوجده يقاتل بجوار صديق له، فقال:
يا أبا البختري، إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد نهانا عن قتلك.
فقال: وزميلي؟
فقال المجذر:لا والله ما نحن بتاركي زميلك.
فقال: والله لأموتن أنا وهو جميعا.
ثم اقتتلا فاضطر، المجذر إلى قتله، فهذه صداقة كافرة قادتهما إلى موت على كفر، ولو لم تكن الصداقة لنجا أبو البختري، ولكن اختياره لأصدقائه كان سببًا في هلاكه.

أصدقاء الصديق رضي الله عنه
[ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللهَ مَعَنَا] {التوبة:40} ..
صاحبه الأول حتى قبل الإسلام كان رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكفى به صاحبًا، ثم أصحابه الآخرون عثمان بن عفان، الزبير بن العوام، طلحة بن عبيد الله، وغيرهم من أبطال الإسلام، هؤلاء هم أصحابه قبل الإسلام، إذن رجل أحاط نفسه بدائرة من أصحاب كهؤلاء، لا بد وأن يسهل عليه أمر الإيمان، ولو صاحب الأراذل من الناس لصدوه عن الفضائل، روى البخاري ومسلم، عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
الْمَرْءُ مَعَ مَنْ أَحَبَّ.
سابع عشر: من الصفات الذميمة التي كثيرًا ما صدت أقوامًا عن دعوة الإسلام صفة الجَدَل، والجدل لا يهلك الأفراد فقط، بل يهلك الأمم، والمجادلون قوم فتنوا بعقولهم، فآثروا أن يستمروا في حوار لا ينقطع، غالبًا لا ينبني عليه كثير عمل، ويخرجون من نقطة إلى نقطة، ويناقشون من زاوية، ثم إلى زاوية أخرى، وليس في العزم اتباع الحق، وليس في النية الاهتداء إلى سواء السبيل، اقرأ وصف القرآن للمجادلين من أهل قريش: [وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آَذَانِهِمْ وَقْرًا وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آَيَةٍ لَا يُؤْمِنُوا بِهَا حَتَّى إِذَا جَاءُوكَ يُجَادِلُونَكَ يَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الأَوَّلِينَ] {الأنعام:25} .
وصورة أخرى من الجدل:
[وَقَالُوا أَئِذَا كُنَّا عِظَامًا وَرُفَاتًا أَئِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقًا جَدِيدًا(49) قُلْ كُونُوا حِجَارَةً أَوْ حَدِيدًا(50) أَوْ خَلْقًا مِمَّا يَكْبُرُ فِي صُدُورِكُمْ فَسَيَقُولُونَ مَنْ يُعِيدُنَا قُلِ الَّذِي فَطَرَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ فَسَيُنْغِضُونَ إِلَيْكَ رُءُوسَهُمْ وَيَقُولُونَ مَتَى هُوَ قُلْ عَسَى أَنْ يَكُونَ قَرِيبًا]. {الإسراء:49، 50}.
صورة أخرى عقيمة من الجدل:
[وَقَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الأَرْضِ يَنْبُوعًا(90)أَوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَعِنَبٍ فَتُفَجِّرَ الأَنْهَارَ خِلَالَهَا تَفْجِيرًا(91)أَوْ تُسْقِطَ السَّمَاءَ كَمَا زَعَمْتَ عَلَيْنَا كِسَفًا أَوْ تَأْتِيَ بِاللهِ وَالمَلَائِكَةِ قَبِيلًا(92)أَوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مِنْ زُخْرُفٍ أَوْ تَرْقَى فِي السَّمَاءِ وَلَنْ نُؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتَّى تُنَزِّلَ عَلَيْنَا كِتَابًا نَقْرَؤُهُ قُلْ سُبْحَانَ رَبِّي هَلْ كُنْتُ إِلَّا بَشَرًا رَسُولًا] {الإسراء:90: 93}.
صورة مكررة من الجدل والنقاش والحوار ليس من ورائها طائل، وحتى لو تحقق ما يطلبون، فسيأتون بشبهة جديدة وسؤال عقيم آخر:
[وَلَوْ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَابًا مِنَ السَّمَاءِ فَظَلُّوا فِيهِ يَعْرُجُونَ(14)لَقَالُوا إِنَّمَا سُكِّرَتْ أَبْصَارُنَا بَلْ نَحْنُ قَوْمٌ مَسْحُورُونَ] {الحجر:14، 15}.
وأبو بكر الصديق رضي الله عنه كما وصفه مقربوه كان سهلًا لينًا هينًا، كان رضي الله عنه قليل الجدل، قليل السؤال، بل قليل الكلام، كان يضع أحيانًا حصاة في فيه، فإذا أراد أن يتكلم رفعها ليتكلم، وذلك حتى لا يتكلم كلما اشتهى الكلام، بل يفكر أولًا، ما إن عُرض عليه الإسلام حتى قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم:
والله ما جربت عليك كذبا، وإنك لخليق بالرسالة لعظم أمانتك، وصلتك لرحمك، وحسن فعالك، مد يدك فإني مبايعك، وموقفه في حادث الإسراء موقف لا ينسى، مواقفه جميعًا رضي الله عنه كانت مبرأة من الجدل والمراء، فسَلِم وسلمت خطواته، وهكذا فالجدل من الصفات الذميمة التي تصد كثيرًا من الخلق عن طريق الهداية، وهي رسالة إلى كل الداعين إلى الله، أن اختبر من تدعوه فإن كان ممن تمرسوا على الجدال، ورغبوا فيه، فكن كأبي بكر الصديق رضي الله عنه، وكن كعباد الرحمن الذين وصفهم الله عز وجل:[وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا] {الفرقان:63} .
ثامن عشر: البخل والشح من الصفات التي تبتعد بصاحبها عن دعوة الإسلام، الرجل الشحيح يعلم أن هذه الدعوة الجديدة ستحتاج إلى حماية ورعاية وتضحية وإنفاق، وهو لذلك يفكر ألف مرة، قبل أن يرتبط بهذه الدعوة، ولذلك فالشح قد يؤدي بالرجل إلى التهلكة، وتكون التهلكة باستبداله بغيره:
[هَاأَنْتُمْ هَؤُلَاءِ تُدْعَوْنَ لِتُنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللهِ فَمِنْكُمْ مَنْ يَبْخَلُ وَمَنْ يَبْخَلْ فَإِنَّمَا يَبْخَلُ عَنْ نَفْسِهِ وَاللهُ الغَنِيُّ وَأَنْتُمُ الفُقَرَاءُ وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ] بل إن الشح قد يهلك أمة، روى الإمام مسلم عن جابر رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
اتَّقُوا الظُّلْمَ فَإِنَّ الظُّلْمَ ظُلُمَاتٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَاتَّقُوا الشُّحَّ فَإِنَّ الشُّحَّ أَهْلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ، حَمَلَهُمْ عَلَى أَنْ سَفَكُوا دِمَاءَهَمْ وَاسْتَحَلُّوا مَحَارِمَهُمْ.
فالشح قد صد اليهود مثلًا عن الإيمان بهذا الدين:
[لَقَدْ سَمِعَ اللهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ سَنَكْتُبُ مَا قَالُوا وَقَتْلَهُمُ الأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَنَقُولُ ذُوقُوا عَذَابَ الحَرِيقِ] {آل عمران:181} .
قالوا هذا القول الفاحش لما سمعوا قول الله عز وجل:
[مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً وَاللهُ يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ] {البقرة:245} .
هم جُبِلوا على التضحية بكل شيء في سبيل المال، فكيف يرتبطون بدعوة تدعو إلى جهاد بالنفس والمال؟!
أمـا أبو بكر الصديق رضي الله عنه فقد كان مجبولًا على حب الإنفاق، وعلى حب العطاء، وليس في الإسلام بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم من هو أكرم من أبي بكر الصديق رضي الله عنه، ومواقفه في ذلك لا تحصى ولا تعد.
وكان هذا العطاء قبل وبعد الإسلام، وقبل وبعد الهجرة، وقبل وبعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقبل وبعد استخلافه، وحتى آخر لحظة في حياته، رجل جُبِل على الكرم، وهذا الصنف من الرجال لا تكفيه الاستجابة فقط لدعوات الخير، بل يسعى ويكد ويجتهد، حتى يرتبط بمثل هذه الدعوات.
تاسع عشر: دعوة الإسلام هي دعوة لكل الأجيال والأعمار، هي دعوة للصغير والكبير والشاب والشيخ، لكن مما لا شك فيه أن أنسب الأعمار لتحقق الإجابة هي الفترة المتأخرة في سن الشباب، أقصد فترة الثلاثينات من العمر وأحيانًا العشرينات من العمر، وذلك أن الشيخ الكبير يكون مطبوعًا على عقائد معينة، وأفكار خاصة من الصعب أن تغيرها، وأحيانًا يعتاد أشياء خاطئة، ثم يعلم أنها خاطئة فلا يستطيع تصحيحها، وهذا واقع نشاهده وندركه، والشاب الصغير كثيرًا ما يكون طائشًا في تصرفاته، متسرعًا في أحكامه، تنقصه الخبرة اللازمة، والرأي الحكيم، ثم إنه قد يكون ملتفتًا إلى شهواته، وملذاته، منصرفًا عن من ينغص عليه هذه الشهوات والملذات، وفوق ذلك فإنه في الغالب ما يكون تابعًا لرأي والده وعائلته، وبالذات في المجتمع القبلي المعتز بالآباء والأجداد، أما الرجل البالغ في متوسط العمر فإنه قد تجاوز مرحلة الطيش والشهوات والاتباع، وأصبح يقود نفسه وعائلته، وتكون قد حنكته التجارب فيحكم الرأي، ويصيبه، ومن الناحية الأخرى فهو لم يبلغ من العمر أرذله بحيث تصده السنوات الطوال عن التغيير والإصلاح، أبو بكر الصديق أسلم وهو في الثامنة والثلاثين من العمر وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم في الأربعين من العمر، وهو سن يجمع بين كل الخير، ففيه حماسة الشباب وطاقتهم، وفيه أيضًا حكمة الشيوخ وخبرتهم، فلم يكن عجيبًا أن يأخذ قرارًا هامًا مثل قرار دخول الإسلام إذا رأى فيه خيرًا، دون انتظار لرؤية والد أو كبير، يظهر هذا في حواره مع أبيه بعد ذلك، وقد أسلم الابن أبو بكر الصديق، وظل الوالد فترة كبيرة دون إسلام، فمع اختلاف العقيدة لم يكن الأب يلوم عليه كثيرًا في إسلامه، ولم يكن يعنفه أو يعذبه، مثلما فعلت القبائل الأخرى مع شبابها، بل كان يبادله الرأي، وينصحه، فمثلًا ينصحه مرة أن يعتق الرجال الأشداء من العبيد بدلًا من إعتاق الضعفاء حتى يحمونه، ومرة ينصحه بترك مال للأولاد، ولا ينفقه كله في سبيل الله، نعم وجهات نظر مختلفة عن وجهة نظر الصديق رضي الله عنه، لكنه لم يكن يفرض عليه رأيًا، أو يجبره على فعل، فقد صار الصديق رجلًا حكيمًا عاقلًا، قد يحتاج إلى مشورة، ولكنه لا يحتاج إلى إكراه أو إرغام، وسبحان الله، فإن سن الأربعين هذا هو غاية النضج والرشد، وفيه تكتمل جميع الطاقات، ويصبح الإنسان قادرًا على التفكر والتدبر والرجوع إلى الصواب، والاستقامة على المناهج السليمة، وقد بين الله ذلك في كتابه عندما قال:
[حَتَّى إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً قَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي إِنِّي تُبْتُ إِلَيْكَ وَإِنِّي مِنَ المُسْلِمِينَ] {الأحقاف:15} .
بلوغ الأشد، وهذا الكلام العاقل الرزين، وهذه العودة إلى الله أقرب ما تكون عند سن الأربعين وما حولها، يقول ابن كثير:
[وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً] {الأحقاف:15} أي: تناهى عقله، وكمل فهمه وحلمه.
وأبو بكر لم يختر أن تنزل الرسالة، وهو في سن الثامنة والثلاثين قريبًا من الأربعين، ولكن الله اختار ذلك، فكما صنع محمدًا على عينه سبحانه، وهيأه للرسالة، وهو في الأربعين من عمره، فإن الله أيضًا اصطفى من الخلق من يصلح أن يكون صاحبًا لهذا الرسول، وخليفة من بعده، فهيأه منذ خلق، وولد؛ ليكون في هذا العمر وقت نزول الرسالة
[صُنْعَ اللهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ إِنَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَفْعَلُونَ] {النمل:88}.
عشرون والأخيرة: إذا توافقت بعض صفات الفرد مع فرد آخر، فإنه ينشأ نوع من التجاذب بين الفردين، وكلما زادت التوافق كلما ازداد التجاذب، حتى يصل إلى حد أن يكون الفردان روحًا واحدة في جسدين، فيفرح أحدهما فرحًا حقيقيًا لفرح الآخر، ويحزن أحدهما حزنًا حقيقيًا لحزن الآخر، ويألم أحدهما حقيقة لألم الآخر، حالة كهذه تفسر أن يقتنع رجل برأي رجل آخر، بل يدافع عنه إلى نهاية المطاف، مع كون هذا الرأي محارَبًا من عامة الناس، ذلك أنه أصبح دون تكلف، ولا افتعال كرأيه تمامًا، ولا أحسب أن رجلًا في أمة الإسلام كان شديد الشبه برسول الله صلى الله عليه وسلم أكثر من أبي بكر الصديق رضي الله عنه، وبالطبع فالمقصود هو الشبه في الأخلاق والأفعال لا في الصور والأجساد، ألا يلفت الأنظار أن الصفة الرئيسية التي اشتهر بها رسول الله صلى الله عليه وسلم في مكة قبل البعثة وبعدها هي صفة الصدق، والأمانة، فعُرف بالصادق الأمين، ثم تجد أن الصفة الرئيسية التي اشتهر بها أبو بكر الصديق رضي الله عنه هي أيضًا صفة الصدق حتى عرف بالصديق، بل كان عمله في الجاهلية كما سيأتي شرحه إن شاء الله هو ضمان الديات والمغارم، وهو عمل يحتاج إلى صدق وأمانة، ألا يلفت هذا الأنظار إلى شخصيتين متقاربين جدًا، حتى في غلبة صفة معينة على لقبهم الذي يشتهران به، فيعرف هذا بالصادق الأمين، وهذا بالصديق، بل أعجب من ذلك، لما نزل الوحي على الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم، عاد مذعورًا إلى السيدة خديجة رضي الله عنها يرجف فؤاده وهو يقول:
زَمِّلُونِي زَمِّلُونِي.
ثم أخبر خديجة بالخبر، وقال لها:
لَقَدْ خَشِيتُ عَلَى نَفْسِي.
فقالت خديجة رضي الله عنها وأرضاها:
كلا، والله لا يخزيك الله أبدًا.
ثم بدأت تصف رسول الله صلى الله عليه وسلم فماذا قالت؟
قالت: إنك لتصل الرَّحِم، وتحمل الكَلّ، وتُكسب المعدوم، وتقري الضيف، وتعين على نوائب الحق.
هذه هي المبررات التي قالت من أجلها السيدة خديجة إن الله لا يخزي الرسول صلى الله عليه وسلم، وهي جميعًا صفات تختص بعلاقة الرسول صلى الله عليه وسلم بالمجتمع الخارجي، وعلاقاته بالناس، وهي أساس الدين.
احفظ هذا الموقف، وتعال نراجع ما قاله زيد بن الدغنة سيد قبيلة القارة وهو يسأل أبا بكر عن سبب خروجه من مكة مهاجرًا إلى الحبشة، فقال أبو بكر: أخرجني قومي، فأريد أن أسيح في الأرض، وأعبد ربي.
هنا قال ابن الدغنة: فإن مثلك يا أبا بكر لا يخرج ولا يخرج مثله.
لماذا في رأي ابن الدغنة لا يجب أن يخرج ولا يخرج رجل مثل أبي بكر؟ يبرر ذلك فيقول:
إنك تكسب المعدوم، وتصل الرَّحِم، وتحمل الكَلّ، وتقري الضيف، وتعين على نوائب الحق.
سبحان الله، نفس الخمس صفات التي ذكرتها السيدة خديجة في صفة رسول الله صلى الله عليه وسلم، هذا الاتفاق الملحوظ يفسر كثيرًا سرعة تلبية الصديق لدعوة الإسلام، فالدعوة وكأنها أنزلت عليه لا على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وحركته لها ستكون في حماسة قريبة جدًا من حماسة الرسول صلى الله عليه وسلم، ولا نجد شخصًا فيه هذا التوافق مع رسول الله صلى الله عليه وسلم كالذي كان بين الصاحبين الجليلين مما يؤكد أن الله كما اختار محمد صلى الله عليه وسلم للرسالة فقد اختار أبا بكر للصحبة.
ثم من فضل الله على الأمة أن استخلف أبو بكر بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فكان امتدادًا طبيعيًا جدًا لرسول الله صلى الله عليه وسلم، ومع عظم الخطب بوفاة الرسول صلى الله عليه وسلم إلا أن الاستخلاف بالصديق هون كثيرًا من المصيبة على المسلمين.
إذن نقول: إن موانع الاستجابة لدعوة الإسلام لم تكن موجودة عند الصديق رضي الله عنه، بل على العكس كانت لديه دوافع كثيرة لسرعة التلبية، عددنا منها عشرين أمرًا، ولعل هناك أكثر من ذلك، والأمر مفتوح للبحث؛ لأن الحدث كبير، ويحتاج إلى وقفات كثيرة، وتحليلات أكثر.
كانت هذه الفقرة السابقة بكاملها، وهي فقرة سبقه إلى الإسلام عبارة عن نقطة من النقاط التي تثبت الصفة الثالثة من صفات الصديق رضي الله عنه الأساسية التي نتحدث عنها، وهي صفة السبق والحسم وعدم التسويف، وإن كان السبق إلى الإسلام حدثًا هامًا لا يغفل، فالسبق في حياة الصديق رضي الله عنه كان علامة مميزة له في كثير من المواقف الأخرى، بل لعله كان حريصًا ألا يُسبق في أي مجال من مجالات الحياة، تشعر وأنت تقرأ سيرته أنه قد اتخذ في حياته شعارًا واضحًا: [وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضَى] {طه:84} .
فكأنه رضي الله عنه وأرضاه دائم العجلة إلى الله عز ووجل.
نذكر هنا بعض الأمثلة الأخرى التي تساعد في فهم معنى السبق في حياة الصديق رضي الله عنه، وإن كان من المستحيل حصر كل الأمثلة في حياته، فهي حياته كلها:

سبقه إلى الاطمئنان على إيمانه
حرصه، وسبقه، وحسمه في الاطمئنان على صدق إيمانه، وعلى عقيدته، وهذا كلام قد يتعجب له الكثير، قد نفهم أن نعرض قضية سرعة إسلامه للمناقشة؛ لغرابتها، ولكن الجميع يعلم أنه منذ أن أسلم وهو أعلى الصحابة إيمانًا وأمنتهم عقيدة، فكيف يسارع إلى الاطمئنان على عقيدته وإيمانه، هل من الممكن أن يشك أحد في هذا الإيمان، وفي هذه العقيدة، اسمع إلى هذه القصة العجيبة:
روى الإمام مسلم رحمه الله عن أبي ربعي حنظلة بن ربيع الأسيدي الكاتب أحد كتاب الرسول صلى الله عليه وسلم قال:
لقيني أبو بكر رضي الله عنه فقال:
كيف أنت يا حنظلة؟
فالصديق رضي الله عنه يطمئن على حال حنظلة بسؤال عادي: كيف أنت؟ لكن حنظلة رضي الله عنه فاجأ الصديق بإجابة غير عادية، إجابة غريبة، قال:
نافق حنظلة.
نافق حنظلة؟! حنظلة من الرجال المشهود لهم بالإيمان، فكيف يقول ذلك عن نفسه، تعجب الصديق رضي الله عنه، وسارع يقول:
سبحان الله، ما تقول؟
فبدأ حنظلة رضي الله عنه يفسر كلماته العجيبة وقال:
نكون عند رسول الله صلى الله عليه وسلم يذكرنا بالجنة، والنار كأنا رأي العين، فإذا خرجنا من عند رسول الله صلى الله عليه وسلم عافسنا الأزواج والأولاد والضيعات فنسينا كثيرًا.
يقصد أنهم في مجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم يتأثرون كثيرًا بالكلام عن الجنة والنار، حتى وكأنهم يرونها عيانًا بيانًا، ومن المؤكد وهم في هذه الحالة يعتزمون أن لا يفعلوا شيئًا في حياتهم إلا أفعال الآخرة فقط، ينوون أن يخرجوا، فيفردون الأوقات الطويلة في الصلاة والقرآن والقيام والدعوة والجهاد وغير ذلك، ويصبحون في حالة زهد تام في الدنيا وقناعها، لكن سبحان الله إذا خرجوا من عند رسول الله صلى الله عليه وسلم اختلطوا بأمور الحياة الطبيعية، عافسنا الأزواج والأولاد والضيعات، يعني لاعبنا وتعاملنا مع الأزواج، والأولاد، والمعايش المختلفة، عند هذه الحالة الأخيرة ينسون كثيرًا مما سمعوه من الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم، هذا التباين في حالتهم في مجلس العلم، وحالتهم في معترك الحياة العامة عده حنظلة نفاقًا، وهذه ولا شك حساسية مفرطة وتحرٍ عميق لقضية الإيمان، وكان من المتوقع من أبي بكر الصديق الذي يزن إيمانه إيمان أمة أن يهون الأمر على حنظلة، ويوضح له أن ذلك يعتبر شيئًا طبيعيًا، فمن المستحيل على المرء أن يظل على حالة إيمانية مرتفعة جدًا دون هبوط، ولو قليل، كان من المتوقع من هذا الصديق رضي الله عنه الذي لا يشك أحد في إيمانه، والمبشر بالجنة تصريحًا والمقدم على غيره دائمًا، كان من المتوقع منه أن يحادثه في قضية الإيمان برباطة جأش، وثبات قدم، لكن الصديق رضي الله عنه رجل المفاجآت رضي الله عنه، وقف يحاسب نفسه بسرعة، عقله لا يتوقف عن مساءلة نفسه، وقلبه لا يطمئن على عظيم إيمانه، حاسب نفسه بصراحة ووضوح فكانت المفاجأة العظمى أن قال:
فوالله إنا لنلقى مثل هذا.
سبحان الله، أبو بكر الصديق المشهود له بالإيمان من رسول الله صلى الله عليه وسلم، بل ليس إيمانًا عاديًا، بل إيمان كإيمان أمة، أو يزيد، والمشهود له بالتقوى من الله عز وجل، حيث قال في حقه:
[وَسَيُجَنَّبُهَا الأَتْقَى] {الليل:17} .
يقصد أبا بكر، هذا الرجل يجد في نفسه هذا الأمر الذي خشي أن يكون نفاقًا، ومع أن الخاطر عجي ومع أن الهاجس غريب، ومع أنه من الطبيعي تمامًا لرجل في مكانته أن يطرد هذه الأفكار بسرعة، إلا أن الصديق ليس كذلك، الصديق يسبق إلى الاطمئنان على إيمانه، فإذا به يسارع مع حنظلة رضي الله عنه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم للاطمئنان على قضية الإيمان، يقول حنظلة رضي الله عنه:
فانطلقت أنا وأبو بكر حتى دخلنا على الرسول صلى الله عليه وسلم هنا سارع حنظلة يقول:
نافق حنظلة يا رسول الله.
فتعجب رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال:
وَمَا ذَاكَ؟
قال حنظلة:
يا رسول الله، نكون عندك تذكرنا بالنار والجنة، كأنا رأي العين،فإذا خرجنا من عندك عافسنا الأزواج والأولاد والضيعات، نسينا كثيرًا.
هنا يتكلم الطبيب الماهر، والحكيم العظيم رسول الله صلى الله عليه وسلم وكأني الحظ على وجهه ابتسامة رقيقة وبشرًا في أساريره وحنانًا في صوته بأبي هو وأمي، وهو يقول في هدوء وتؤدة:
والَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوْ تَدُومُونَ عَلَى مَا تَكُونُونَ عِنْدِي وَفِي الذِّكْرِ لَصَافَحَتْكُمُ الْمَلَائِكَةُ عَلَى فُرُشِكِمْ وَفِي طُرُقِكُمْ، وَلَكِنْ يَا حَنْظَلَةُ سَاعَةً وَسَاعَةً.
ثلاث مرات.
ومن المفهوم يقينًا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يقصد ساعة طاعة وساعة معصية كما يفهم كثير من الجهال أن هناك ساعة لله، وساعة يخرجون فيها عن منهجه وشرعه، لكن المقصود هو ساعة تفرغ وخلوة واجتهاد في الطاعة، وساعة أخرى تفرغ لأمور الدنيا الحلال، والذي يطالب الإنسان بها أيضًا في شرع الله كرعاية الأزواج والأولاد، ومتابعة أسباب الرزق واللهو الحلال، والنوم الذي لا يضيع صلاة، وغير ذلك من أمور الحياة المختلفة.
الشاهد اللطيف في القصة هو حرص الصديق على قضية الإيمان مع أنه كان من الممكن أن ينتظر حتى يرى رسول الله صلى الله عليه وسلم في صلاة من الصلوات، لكنه سارع إليه مطبقًا شعاره
[وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضَى] {طه:84}.


Digg this Post!Add Post to del.icio.usBookmark Post in TechnoratiFurl this Post!
رد مع اقتباس

 

 رقم المشاركة : ( 6 )









آلآـؤـركيـدآ has a reputation beyond reputeآلآـؤـركيـدآ has a reputation beyond reputeآلآـؤـركيـدآ has a reputation beyond reputeآلآـؤـركيـدآ has a reputation beyond reputeآلآـؤـركيـدآ has a reputation beyond reputeآلآـؤـركيـدآ has a reputation beyond reputeآلآـؤـركيـدآ has a reputation beyond reputeآلآـؤـركيـدآ has a reputation beyond reputeآلآـؤـركيـدآ has a reputation beyond reputeآلآـؤـركيـدآ has a reputation beyond reputeآلآـؤـركيـدآ has a reputation beyond repute

الأوسمـة
بيانات الإتصال
آخر المواضيع

آلآـؤـركيـدآ غير متواجد حالياً


الالفية الرابعة عشر التواصل 1430 النوايا الحسنة العطاء الوسام الذهبي الاداره 1 

افتراضي رد: بلا عنوان لحين اكتمال الموضوع

بتاريخ : [ 10-19-2009 - 07:59 AM ]

سبقه إلى الدعوة

وسبحان الله، إن كان عجيبًا سبق الصديق إلى الإسلام، فلعل الأعجب من ذلك سبقه إلى الدعوة إلى هذا الدين، وحماسه لنشره وحميته لجمع الأنصار له، وسرعته في تبليغ ما علم من الرسول صلى الله عليه وسلم مع قلة ما علمه.
سَبَق الصديق إلى الدعوة إلى هذا الدين الجديد، فإذا به يأتي في اليوم الأول لدعوته بمجموعة من الرجال قَلّ أن يجتمعوا في زمان واحد، الرجل بألف رجل أو يزيد، أتى في اليوم الأول بخمسة هم:
عثمان بن عفان.
الزبير بن العوام.
سعد بن أبي وقاص.
طلحة بن عبيد الله.
عبد الرحمن بن عوف.
ما هذا؟! هؤلاء الخمسة، صناديد الإسلام، وعباقرته، أتوا جميعًا على يد الصديق؟ نعم، صِدْق، فهو الصديق، والحدث عظيم، ويحتاج إلى وقفات، فبتحليل إسلام هؤلاء الخمسة يزداد المرء عجبًا:
الملحوظة الأولى:
ليس من هؤلاء أحد من قبيلة بني تيم إلا طلحة بن عبيد الله فقط، وبقيتهم من قبائل أخرى فعثمان بن عفان أموي، من بني أمية، والزبير بن العوام من بني أسد، وسعد بن أبي وقاص، وعبد الرحمن بن عوف من بني زُهرة، فالاستجابة له لم تكن من باب القبلية، ولكن كما هو واضح كان له صداقات قوية، وعلاقات وطيدة بكثير من أركان المجتمع المكي قبل الإسلام، وهذا ولا شك أساس من أسس الدعوة.
الملحوظة الثانية:
أن أعمار هذه المجموعة كانت صغيرة جدًا، وبعيدة عن عمر الصديق، فالزبير بن العوام رضي الله عنه كان في الخامسة عشر من عمره، ومع ذلك لم يستقله أبو بكر الصديق رضي الله عنه وأَسَرّ له بهذا السر الخطير، سِرّ دعوة الإسلام في بلد لا محالة ستحارب هذه الدعوة، في الخامسة عشر من عمره، هذا يعني أنه في سن ولد في الصف الثالث الإعدادي في زماننا، يعني الزبير بن العوام أخذ قرار الإسلام وتغيير الدين ومحاربة أهل مكة جميعًا وهو في الإعدادية، ويبدو أن تربيتنا لأطفالنا تحتاج إلى إعادة نظر، فكثير منا ينظر إلى ابنه في الجامعة، وبعدها على إنه صغير لا يتحمل مسئولية، ولا يأخذ قرارًا بمفرده، وطلحة بن عبيد الله كان أكبر من ذلك قليلًا، وكذلك سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه كان في السابعة عشر من عمره، وعبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه نحو ذلك أيضًا، وكان أكبرهم هو عثمان ن عفان، ويبلغ من العمر آنذاك حوالي الثامنة والعشرين.
إذن أبو بكر الصديق قبل الإسلام كان له علاقات طيبة مع كل طوائف مكة على اختلاف قبائلها، وعلى تفاوت أعمارها، وعندما فكر في تبليغ الدعوة بلغها للشباب من أهل مكة، وبالذات لأولئك الذين اشتهروا بالطهر والعفاف، وحسن السيرة، فكان لهم بمثابة الأستاذ لتلامذته، سمعوا له، واستجابوا، فكان خيرًا له ولهم، وللإسلام، والمسلمين، وهي إشارة لكل الدعاة أن يعطوا قدرًا أكبر وأعظم للشباب، فعلى أكتافهم تقوم الدعوات.
الملحوظة الثالثة:
أنه بعد أن أتى بهذا الرعيل الأول، وهذا المجهود الوافر، ما فتر حماسه، وما كلت عزيمته، ولكنه أسرع في الأيام التالية يأتي بغيرهم، أتى بأبي عبيدة بن الجراح رضي الله عنه أمين هذه الأمة، وهو من بني الحارث بن فهر، وكان يبلغ من العمر سبعة وعشرون عامًا، وجاء أيضًا بالصحابي الجليل عثمان بن مظعون وهو من بني جمح، ثم أتى بالأرقم بن أبي الأرقم وأبو سلمة بن عبد الأسد وهما من بني مخزوم، وما أدراك ما بنو مخزوم، هي قبيلة تتنازع لواء الشرف مع بني هاشم قوم رسول الله صلى الله عليه وسلم، فكيف أثر عليهما حتى يأتي بهما يدخلان في الإسلام تحت قيادة رجل من بني هاشم؟
هذا أمر لافت للنظر ولا شك، ومن الواضح الجلي أن الصديق رضي الله عنه كان قريبًا من قلوبهم إلى درجة أقرب من القبيلة والعنصرية والعصبية وحمية الجاهلية، وغير ذلك من الدوافع المنتشرة في ذلك الزمان، ومن الجدير بالذكر أن الأرقم بن أبي الأرقم رضي الله عنه والذي فتح بعد ذلك بقليل بيته للمسلمين، ولرسول الله صلى الله عليه وسلم يعقدون فيه لقاءاتهم ويتعلمون فيه دينهم بعيدًا عن عيون مكة، ومعرضًا نفسه لخطر عظيم وخطب جليل، جدير بالذكر أن هذا البطل المغوار والمغامر الجريء كان يبلغ من العمر ستة عشر عامًا فقط، ولا تعليق.
الملحوظة الرابعة:
أن ستة من الذين دعاهم أبو بكر الصديق رضي الله عنه للإسلام من العشرة المبشرين بالجنة، وهم صفوة الصحابة وخير الأمة بعد نبيها محمد صلى الله عليه وسلم، والآخرون أيضًا من أهل الجنة إن شاء الله فهم من السابقين السابقين، وإن العقل ليعجز أن يتخيل حجم الثواب الذي حصله أبو بكر الصديق من جراء دعوته لهؤلاء وغيرهم، فكما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في الحديث الذي رواه الإمام مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه:
مَنْ دَعَا إِلَى هُدًى كَانَ لَهُ مِنَ الْأَجْرِ مِثْلُ أُجُورِ مَنْ تَبِعَهُ لَا يَنْقُصُ ذَلِكَ مِنْ أُجُورِهِمْ شَيْئًا، وَمَنْ دَعَا إِلَى ضَلَالَةٍ كَانَ عَلَيْهِ مِنَ الْآثْمِ مِثْلُ آثَامِ مَنْ تَبِعَهُ لَا يَنْقُصُ مِنْ آثَامِهِمْ شَيْئًا.
وكما قال أيضًا صلى الله عليه وسلم في حديث الإمام مسلم عن أبي مسعود عقبة بن عمرو الأنصاري:
مَنْ دَلَّ عَلَى خَيْرٍ فَلَهُ مِثْلُ أَجْرِ فَاعِلِهِ.
فتدبر يا عبد الله في أفعال العظماء الذين أتى بهم الصديق رضي الله عنه، تدبر في أعمال عثمان، والزبير، وطلحة، وسعد، وعبد الرحمن، وأبي عبيدة، والأرقم، وأبي سلمة، وعثمان بن مظعون، ثم سيأتي بعدهم آخرون أمثال بلال، وعامر بن فهيرة، وغيرهم، تدبر في ذلك، وأعلم أن أجور هؤلاء جميعًا، ومن هداهم الله على أيديهم، كل هذا في ميزان الصديق رضي الله عنه وأرضاه، حتى تعلم عظم الدعوة إلى الله، وشرف العمل الذي وكله الله للأنبياء ومن سار على نهجهم
[وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ المُسْلِمِينَ] {فصِّلت:33}. تدبر في كل هذا، ثم تدبر في مجهوداتنا لهذا الدين، هذا الصديق أتى بهؤلاء، وحمل معه أجور هؤلاء، فمَن مِن البشر أتينا به إلى طريق الله، وكم من الأجور حملنا معنا في ميزاننا، سؤال لا بد أن نقف مع النفس وقفة لإجابة، ونسأل الله أن يسدد خطانا ويبصرنا بما يصلح ديننا ودنيانا وأخرتنا.
نعود إلى بطلنا الصديق رضي الله عنه، ونتساءل لماذا استجيب لدعوته بهذه السرعة؟
ولماذا أحبه قومه لهذه الدرجة؟
اسمع كلام طلحة بن عبيد الله رضي الله عنه، وهو يصف أبا بكر الصديق، ولاحظ أن هذا الوصف قاله طلحة بن عبيد الله رضي الله عنه يوم إسلامه، قال:
وكنت أعرف أبا بكر، فقد كان رجلًا سهلًا محببًا موطأ الأكناف.
أي لين الجانب، فها هي صفة أولى نلاحظها في كلام طلحة رضي الله عنه، فالصديق كان سهلًا محببًا إلى القلوب، كان لينًا مع الناس رفيقًا بهم، كان حنونًا عطوفًا رحيمًا، ورجل بهذه الصفات لا بد أن يحبه الناس،وصدقت يا رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنت تصف المؤمن فتقول:
الْمُؤْمِنْ مُؤْلَفٌ وَلَا خَيْرٌ فِيمَنْ لَا يَأْلَفُ وَلَا يُؤْلَفُ.
روى ذلك الإمام أحمد عن أبي هريرة رضي الله عنه، وروى البخاري ومسلم عن السيدة عائشة بنت الصديق رضي الله عنها أنها قالت:
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
إِنَّ اللَّهَ رَفِيقٌ يُحِبُّ الرِّفْقَ فِي الْأَمْرِ كُلِّهِ.
ونكمل الاستماع إلى وصف طلحة رضي الله عنه لأبي بكر الصديق رضي الله عنه:
وكان تاجرًا ذا خلق واستقامة.
وهنا أيضًا نلاحظ سمات لا بد أن تجذب القلوب لصاحبها، الصديق كان تاجرًا، وكان كثير الأموال، وكان رجلًا معطاءً، كثير العطاء، والناس بطبعها تحب مجالسة الرجل الذي ألف العطاء، وألف السخاء، وإن كانوا لا يريدون منه مالًا، فعلى الأقل هو لن يطلب منهم شيئًا، والناس أيضًا بطبعها تنفر من الذين يطلبون منهم شيئًا، ويستقرضونهم في كل مناسبة، ومن ثم فلا عجب أن أهل مكة كانوا يحبون مجلس الصديق رضي الله عنه، فوق ذلك يقول طلحة رضي الله عنه:
كان تاجرًا ذا خلق واستقامة.
والتجارة والمال الكثير كثيرا ما يغيران من نفوس الناس، وكثيرًا ما يغش التاجر في تجارته، ويدلس على زبائنه، وكثيرًا ما يحلف على بضاعته بالكذب ليزداد ربحًا، والتاجر المستقيم صاحب الخلق لا بد وأن يكون محبوبًا، ولا بد أن يكون مقربًا لقلوب الناس، وبالتبعية، فإن الله يعظم جدًا من أجر التاجر المستقيم، روى الترمذي والدارمي وقال الترمذي: حديث حسن. عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
التَّاجِرُ الصَّدُوقُ الْأَمِينُ مَعَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ.
فإذا كان التاجر الصدوق الأمين مع النبيين والصديقي فما بالك بالتاجر الصِّديق أبي بكر الصديق رضي الله عنه وأرضاه، ويكمل طلحة بن عبيد الله رضي الله عنه كلامه عن الصديق فيقول:
وكنا نألفه، ونحب مجالسه؛ لعلمه بأخبار قريش، وحفظه لأنسابها.
فها هي صفة جديدة تحبب الناس في الصديق، وكان لها أثرًا في استجابة الناس له، فالصديق كان عالمًا بالعلم الذي يفيد في زمانه، والعلم الذي يحتاجه أهل البلد، علم الأنساب كان رضي الله عنه أعلمهم بالنسب، وهذا أمر بالغ الأهمية في المجتمع المكي القديم، شهد له بذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم في الحديث الذي روته بنت الصديق عائشة رضي الله عنها وجاء في صحيح مسلم أن أبا بكر أعلم قريش بأنسابها، وفوق علمه بالنسب، فهو كريم الخلق، فلم يطعن في نسب أحد مهما علم فيه من مثالب ومساوئ، وهذا يجعله، ولا شك محبوبًا للناس جميعًا، وهي رسالة إلى كل الدعاة أن عليهم أن يتعلموا العلم النافع الذي يصلح بيئتهم ومجتمعهم، وأن لا يتكبروا بعلمهم على الناس، فذلك- كما علمنا الصديق- الطريق إلى قلوب العباد.
الملحوظة الخامسة:
والصديق رضي الله عنه وأرضاه لم يكن حريصًا على أصدقائه ومعارفه على حساب أهل بيته، كثير من الدعاة ينفقون الساعات الطوال في دعوة الآخرين، ثم هم يقصرون تقصيرًا شديدًا في دعوة أهل بيتهم، مع أنهم سيسألون عنهم قبل الآخرين، روى البخاري ومسلم عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال:سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:
كُلُّكُمْ رَاعٍ وَكُلُّكُمْ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، الْإِمَامُ رَاعٍ وَمَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، وَالرَّجُلُ رَاعٍ فِي أَهْلِهِ وَمَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، وَالْمَرْأَةُ رَاعِيَةٌ فِي بَيْتِ زَوْجِهَا وَمَسْئُولَةٌ عَنْ رَعِيَّتِهَا، وَالْخَادِمُ رَاعٍ فِي مَالِ سَيِّدِهِ وَمَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، وَكُلُّكُمْ رَاعٍ وَمَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ.
الصديق رضي الله عنه كان راعيًا في بيته، وكان مسئولًا عن رعيته رضي الله عنه، أدخل في الإسلام زوجته أم رومان رضي الله عنها، وزوجته أسماء بنت عميس رضي الله عنها، وأدخل أولاده عائشة، وأسماء، وعبد الله رضي الله عنهم أجمعين، ثم ما لبث أن أدخل أمه أيضًا في الإسلام بعد أن طلب من رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يدعو لها بالهداية، وتأخر ابنه عبد الرحمن عن الإسلام كثيرًا فقد أسلم يوم حديبية، فشق ذلك على أبي بكر وكان له موقف عجيب معه سيأتي شرحه لاحقًا إن شاء الله، وتأخر إسلام أبيه أكثر من ذلك، لكن ما نسيه الصديق رضي الله عنه وأرضاه، حتى كان يوم فتح مكة، فأتى به رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان أبو قحافة أبو أبي بكر الصديق رجلًا مسنًا طاعن في السن حتى قالوا كان رأسه ثغامة (والثغامة نبات أبيض يُشَبه به الشيب) فجاء به الصديق رضي الله عنه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال الرسول الكريم المتواضع صلى الله عليه وسلم:
يَا أَبَا بَكْرٍ هَلَّا تَرَكْتَهُ حَتَّى نَأْتِيَهُ.
فقال أبو بكر في أدب جم:
هو أولى أن يأتيك يا رسول الله.
فأسلم أبو قحافة وبايع رسول الله صلى الله عليه وسلم، وفي رواية قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
إِنَّا نَحْفَظُهُ لِأَيَادِي ابْنِهِ عِنْدَنَا.
وهكذا فعائلة الصديق كلها مسلمة، بل لم تجتمع الصحبة لرسول الله صلى الله عليه وسلم في أجيال أربعة متعاقبة في عائلة واحدة إلا في عائلة الصديق رضي الله عنه، فالجيل الأول هو جيل أبو قحافة وزوجته والدا الصديق رضي الله عنه، والجيل الثاني هو الصديق رضي الله عنه وزوجاته، والجيل الثالث أولاد الصديق أسماء وعائشة وعبد الله وعبد الرحمن، والجيل الرابع هم أحفاد الصديق ولهم صحبة مثل عبد الله الزبير بن العوام ابن السيدة أسماء رضي الله عنها، ومحمد بن عبد الرحمن بن أبي بكر رضي الله عنهم أجمعين، فهذه العائلة المباركة بارك الله فيها، وعمت بركتها على أمة المسلمين جميعًا.

سبقه في كل أعمال الخير

وكما رأينا سبقه رضي الله عنه وأرضاه في الإسلام والإيمان والدعوة، فإننا أيضًا نرى بوضوح سبقه رضي الله عنه في كل أعمال الخير، يروي لنا الإمام مسلم عن أبي هريرة، والبيهقي عن أنس والبزار عن عبد الرحمن بن أبي بكر حديثًا يوضح لنا مثالًا لمسارعة الصديق رضي الله عنه إلى الخير، نذكر هنا رواية البزار؛ لأن فيها توضيحًا أكثر للموقف، يقول عبد الرحمن بن أبي بكر رضي الله عنهما:
صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاة الصبح، ثم أقبل على أصحابه بوجهه فقال:
مَنْ أَصْبَحَ مِنْكُمُ الْيَوْمَ صَائِمًا؟
فقال عمر: يا رسول الله، لم أحدث نفسي بالصوم البارحة، فأصبحت مفطرًا. فقال أبو بكر: ولكني حدثت نفسي بالصوم البارحة، فأصبحت صائمًا.
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
هَلْ أَحَدٌ مَنْكُمُ الْيَوْمَ عَادَ مَرِيضًا؟
فقال عمر: يا رسول الله لم نبرح، فكيف نعود المريض؟
فقال أبو بكر: بلغني أن أخي عبد الرحمن بن عوف شاكٍ، فجعلت طريقي عليه؛ لأنظر كيف أصبح؟
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
هَلْ مِنْكُمْ أَحَدٌ أَطْعَمَ مِسْكِينًا؟
فقال عمر: صلينا يا رسول الله، ثم لم نبرح؟
فقال أبو بكر: دخلت المسجد، فإذا بسائل، فوجدت كسرة من خبز الشعير في يد عبد الرحمن، فأخذتها، ودفعتها إليه.
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
أَنْتَ فَأَبْشِرِ بِالْجَنَّةِ.
ثم قال كلمة أرضى بها عمر، بل إن في رواية أبي هريرة في صحيح مسلم يسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم فوق هذا فيقول:
فَمَنْ تَبِعَ مِنْكُمُ الْيَوْمَ جَنَازَةً؟
فقال أبو بكر: أنا.
وفي نهاية الحديث قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
مَا اجْتَمَعْنَ فِي امْرِئٍ إِلَّا دَخَلَ الْجَنَّةَ.
حقًا، من العسير والله أن تحصر مواقف السبق في حياة الصديق رضي الله عنه وأرضاه فالسبق في حياته يشمل كل حياته، يلخص هذا عمر بن الخطاب رضي الله عنه في الحديث الذي رواه أبو داود، والترمذي، وقال الترمذي: حديث حسن صحيح. يقول عمر:
أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نتصدق فوافق ذلك مالًا عندي، قلت: اليوم أسبق أبا بكر، إن سبقته يومًا. فجئت بنصف مالي فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
مَا أَبْقَيْتَ لِأَهْلِكَ؟
قلت: مثله.
وأتى أبو بكر بكل ما عنده، فقال: يَا أَبَا بَكْرٍ مَا أَبْقَيْتَ لِأَهْلِكَ؟
قال: أبقيت لهم الله ورسوله.
فقلتُ - أي عمر - : لا أسبقه في شيء أبدًا.

Digg this Post!Add Post to del.icio.usBookmark Post in TechnoratiFurl this Post!
رد مع اقتباس
رد

مواقع النشر

العبارات الدلالية
لحين, الموضوع, اكتمال, بلا, عنوان


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 
أدوات الموضوع
طرق مشاهدة الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة
Trackbacks are متاحة
Pingbacks are متاحة
Refbacks are متاحة


المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
خمسون معلومة عن الرسول صلى الله عليه وسلم‎ عاشق بصمت حبايب نصرة الرسول صلى الله عليهِ وسلم 15 يوم أمس 01:31 PM
الرياضه البدنيه في السنة النبوية لطوفي حبايب نصرة الرسول صلى الله عليهِ وسلم 12 07-15-2010 09:19 PM
محبة النبي صلى الله عليه وسلم بين الاتباع والابتداع وتر حساس حبايب نصرة الرسول صلى الله عليهِ وسلم 18 06-19-2010 03:49 PM
معـآمـآــة الرســوًل صلي الله علية وسلم للعصــــآإة إصرخ يآضمير حبايب نصرة الرسول صلى الله عليهِ وسلم 16 01-18-2010 08:45 AM
نسمات الحج .. لغير الحجاج لقاء القدر حبايب الإسلامى 7 11-25-2009 06:21 AM


جميع الأوقات بتوقيت GMT +3. الساعة الآن 02:12 PM.


Powered by vBulletin® Version 3.8.6. Copyright ©2000 - 2010, ستار بكس

.:: الذهاب الى أعلى الصفحة ::.
.:: جميع الحقوق محفوظة لكل المسملين رمضان 2008 ::.
.:: الذهاب الى أعلى الصفحة ::.

SEO by vBSEO 3.5.1

1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17 18 19 20 21 22 23 24 25 26 27 28 29 30 31 32 33 34 35 36 37 38 39 40 41 42 43 44 45 46 47 48 49 50