العودة   منتديات حبايب > «][□□□][ منتديات حبايب الاسلامي ][□□□][» > حبايب نصرة الرسول صلى الله عليهِ وسلم
التسجيل التعليمات قائمة الأعضاء التقويم اجعل جميع المنتديات مقروءة

حبايب نصرة الرسول صلى الله عليهِ وسلم
يهتم بسيرة الرسول محمد صلى الله عليه وسلم واصحابه الكرام

الإهداءات
من بين الجباااااااااااال : اللهم ارزقنا بر والدينا واجمعنا بهم في الفردوس الأعلى من الجنة من (¯`•.¸¸.-> الله يباركـ فيكـ : ( الم ـوسيقار ) مشكـور يالغ ــلا على التهنئـة عقبالكـ ان شاء الله والله لا يحرمنـي منكـ ياربـ ( والفـ مبروكـ للحاصلينـ علـى التميـز هـذا الشهـر من التهنئه للمميزين : الف مبروك للمميزين هذا الشهر // ابراهيم // جنون انثى// نواف// سماهر// رذاذ حلم// وعقبال الجميع من (¯`•.¸¸.-> النتيجة النهائية لمسابقة رمضان لهذا العام 1431هـ (`•.¸¸.-> الخيمة الرمضانيه : تم طرح النتيجة النهائيه للمسابقه الرمضانيه الفـ مبروكـ للفائزين بالمراكز الثلاثه الاولى واتقدم بالشكر لكل المتسابقين واتمنى اني وفقت في تقديم المسابقة وكل عام وانتم بخير

رد

 

 رقم المشاركة : ( 7 )









آلآـؤـركيـدآ has a reputation beyond reputeآلآـؤـركيـدآ has a reputation beyond reputeآلآـؤـركيـدآ has a reputation beyond reputeآلآـؤـركيـدآ has a reputation beyond reputeآلآـؤـركيـدآ has a reputation beyond reputeآلآـؤـركيـدآ has a reputation beyond reputeآلآـؤـركيـدآ has a reputation beyond reputeآلآـؤـركيـدآ has a reputation beyond reputeآلآـؤـركيـدآ has a reputation beyond reputeآلآـؤـركيـدآ has a reputation beyond reputeآلآـؤـركيـدآ has a reputation beyond repute

الأوسمـة
بيانات الإتصال
آخر المواضيع

آلآـؤـركيـدآ غير متواجد حالياً


الالفية الرابعة عشر التواصل 1430 النوايا الحسنة العطاء الوسام الذهبي الاداره 1 

افتراضي رد: بلا عنوان لحين اكتمال الموضوع

بتاريخ : [ 10-19-2009 - 08:16 AM ]

الصديق وانكار الذات


أين حظ النفس عند الصديق؟

ولقد كان الصديق رضي الله عنه من أروع الأمثلة الإسلامية على صفة إنكار الذات، أنكر الصديق رضي الله عنه ذاته في حق الله عز وجل، فلا يأمره الله بشيء، ولا ينهى عن شيء، إلا امتثل، واستجاب، مهما كانت التضحيات، الصديق أنكر ذاته في حق رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومواقفه في إنكار ذاته مع الرسول لا تحصى، فهو لم يكن يرى نفسه مطلقًا بجوار رسول الله صلى الله عليه وسلم، والصديق قد أنكر ذاته مع المؤمنين، حتى من أخطأ في حقه منهم، بل حتى من تجاوز خطؤه الحدود المألوفة، المعروفة بين الناس
ابحث في حياة الصديق، ونَقّب، أين حظ النفس عند الصديق؟
لا تجد، أين إشباع الرغبات الطبيعية عند البشر من حبٍ للمال، وحبٍ للجاه، والسلطان، وحب للسعادة، وحب الظهور، بل حب الحـيـاة؟
أين ذلك عند الصديق؟
لن تجده أبدًا، مثال عجيب من البشر، وآية من آيات الرحمن في خلقه،
ولعلنا نكتفي هنا بالمرور السريع على مثال من إنكار الصديق لذاته، ولعلنا نتوقف عند المـال مثلًا.
أين حظ الصديق من ماله؟
جبل الصديق رضي الله عنه على حب العطاء، حتى لتشعر وأنت تقرأ سيرته أنه يستمتع بالعطاء ويبحث عنه، وهذا شيء عجيب، فالإنسان بصفة عامة جبل على حب المال حبًا شديدًا، قال عز وجل: [وَتُحِبُّونَ المَالَ حُبًّا جَمًّا] {الفجر:20} .
وقال: [قُلْ لَوْ أَنْتُمْ تَمْلِكُونَ خَزَائِنَ رَحْمَةِ رَبِّي إِذًا لَأَمْسَكْتُمْ خَشْيَةَ الإِنْفَاقِ وَكَانَ الإِنْسَانُ قَتُورًا] {الإسراء:100} .
أي شديد البخل وشديد المنع، الصديق لم يكن كذلك، وسبحان الذي سَوّاه على هذه الصورة، فالصديق كان يحب الإنفاق حتى في الجاهلية قبل أن يسلم. عمله في ضمان الديات: كان رضي الله عنه قبل إسلامه مسئولًا عن ضمان الديات والمغارم في مكة، فإذا سأل قريشًا ضمانًا قبلوه، وإذا سألهم غيره خذلوه، وهذا عمل خطير، فقد يتحمل الصديق دية رجل، ثم لا يوفي أهله، فيكون على الصديق قضاؤها، أي أنه عمل فيه خسارة، ويحتاج إلى كثير من المال، وإلى نفس راغبة في قضاء حوائج الناس، وتحمل مغارمهم، إذا كان هذا هو الصديق قبل إسلامه، فما بالكم بعد أن أسلم؟
ما بالكم كيف يكون حاله إذا سمع من رسول الله صلى الله عليه وسلم حديثًا قدسيًا ينقله عن رب العزة عز وجل يقول فيه الله تعالى: انْفِقْ يَا ابْنَ آدَمَ أُنْفِقْ عَلَيْكَ؟
وذلك كما روى البخاري ومسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه، بل كيف يكون حاله وقد سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقسم أن مال العبد لا ينقص من الصدقة؟ الصديق لا يحتاج إلى قسم الرسول صلى الله عليه وسلم ليصدقه، الصديق رضي الله عنه كان واضعًا نصب عينيه حقيقة ما اختفت لحظة عن بصره وعقله وقلبه، تلك الحقيقة هي:
إن كان قال فقد صدق.
هكذا، مجرد القول يعني عنده التصديق الكامل الذي لا شك فيه، فما بالكم إذا سمعه صلى الله عليه وسلم يقسم؟

الصديق ينفق ماله كله في سبيل الله

هذه الطبيعة الفطرية، وهذا اليقين في كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم يفسر لنا كثيرًا من مواقف الصديق رضي الله عنه، فالصديق رضي الله عنه شاهد مع بدايات الدعوة في أرض مكة، التعذيب الشديد والتنكيل الأليم بكل من آمن من العبيد، والعبيد في ذلك الزمان يباعون ويشترون، وليس لهم أدنى حق من الحقوق، تألمت نفس الصديق الرقيقة لهذه الوحشية المفرطة من الكفار مكة، وسارع بماله ينقذ هذا، ويفدي ذاك، يشتري العبد، ثم يعتقه لوجه الله، هكذا [لَا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُورًا] {الإنسان:9} .
مر رضي الله عنه ببلالٍ رضي الله عنه، وهو يعذب على صخور مكة الملتهبة، وعلى صدره الأحجار العظيمة، فساوم عليه سيده أمية بن خلف عليه لعنة الله، وعرض عليه أن يشتريه، أو يبادله بعبد آخر أجلد منه، وأقوى، وليس بمسلم، وفي رواية أنه اشتراه بسبع أوقيات من الذهب، ودار حوار رائع بين الصديق رضي الله عنه، وبين أمية بن خلف عليه لعنه الله، قال أمية يريد أن يبث الحسرة في قلب الصديق:
لو عرضت عليَّ أوقية واحدة من الذهب لبعته لك.
قال الصديق العظيم رضي الله عنه في هدوء: لو طلبت مائة أوقية من الذهب لأشتريه.
سبحان الله، فارتدت الحسرة في قلب أمية بن خلف، أمية بن خلف المشرك لا يدرك قيمة بلال، بعد أن أسلم، لكن الصديق رضي الله عنه يدرك ذلك، فهذا العبد الأسود القليل في نظر المشركين، وأهل الدنيا، هذا العبد ذاته ثقيل في ميزان الله عز وجل، بما يحمل في قلبه من إيمان وتوحيد وإسلام، هذه المعاني الرقيقة السامية لا يفهمها أهل المادة، لكن يفهمها الصديق بعمق ويتعامل على أساسها.
اشترى الصديق رضي الله عنه أم عبيس رضي الله عنها وأعتقها، واشترى زنيرة رضي الله عنها وأعتقها، واشترى النهدية وابنتها رضي الله عنهما وأعتقهما، ولهما قصة لطيفة رواها ابن إسحاق في سيرته، كانت النهدية وابنتها ملكًا لامرأة من بني عبد الدار، مر بهما الصديق رضي الله عنه، وقد بعثتهما سيدتهما بطحين لها وهي تقول:
والله لا أعتقكما أبدًا.
قال أبو بكر الصديق رضي الله عنه: حلّ يا أم فلان. أي تحللي من يمينك، فقالت: حل أنت، أفسدتها فأعتقهما.
قال: فبكم هما؟
قالت بكذا وكذا، قال الصديق رضي الله عنه: قد أخذتهما، وهما حرتان، ارجعا إليها طحينها.
هنا نجد ردًا لطيفًا عجيبًا من الجارتين المسلمتين اللتين تخلقتا بخلق الإسلام الرفيع قالتا: أو نفرغ منه يا أبا بكر، ثم نرده إليها؟
سبحان الله، بعد النجاة من هذا الظلم الشديد، والسخرة المهينة ما زالتا تحرصان على مال سيدتهما، قال الصديق رضي الله عنه:
ذلك إن شئتما.
ومر الصديق رضي الله عنه بجارية بني مؤمل (حي من بني عدي) وكانت مسلمة، وكان عمر بن الخطاب رضي الله آنذاك مشركًا، وكان شديد الغلظة على المسلمين، وكان يضربها ضربًا مؤلمًا لساعات طوال، ثم يتركها ويقول:
إني لم أتركك إلا عن ملالة.
مر بها الصديق رضي الله عنه، فابتاعها ثم أعتقها لوجه الله.
ودعا الصديق رضي الله عنه غلامه عامر بن فهيرة إلى الإسلام، فلما أسلم أعتقه أيضًا لوجه الله.
وكما رأينا فإن الصديق رضي الله عنه لم يكن يفرق بين عبد وأمه، أو قوي وضعيف، هذا الأمر لفت نظر أبيه أبي قحافة فقال له:
يا بني إني أراك تعتق رقابًا ضعافًا، فلو أنك إذ فعلت أعتقت رجالًا جلدا، يمنعونك، ويقومون دونك؟
ولا ننسى أن الصديق رضي الله عنه من بطن ضعيف من بطون قريش، فقال الصديق رضي الله عنه في إيمان عميق:
يا أبت إني إنما أريد ما أريد لله عز وجل.
فأنزل الله في حقه قرآن كريمًا، قال عز وجل:
[وَسَيُجَنَّبُهَا الأَتْقَى(17) الَّذِي يُؤْتِي مَالَهُ يَتَزَكَّى(18) وَمَا لِأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزَى(19) إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الأَعْلَى(20) وَلَسَوْفَ يَرْضَى(21) ]. {الليل17: 21} .
قال ابن الجوزي: أجمع العلماء أنها نزلت في أبي بكر الصديق رضي الله عنه.
وتخيل معي أن الله عز وجل ينزل قرآنًا يشهد فيه للصديق بالتقوى، بل بأنه الأتقى، ويشهد له بإخلاص النية، فهو يريد أن يتزكى، ولا يريد جزاء من أحد، وإنما يريد وجه الله فقط، ثم انظر الوعد الرباني الجليل العظيم، ولسوف يرضى، ومهما تخيلت من ثواب وجزاء ونعيم، فلا يمكن أن تتخيل ما أعده الله عز وجل لمن وعد بإرضائه [وَلَسَوْفَ يَرْضَى] {الليل:21} .
روى أبو داود في سننه عن أبي هريرة رضي الله عنه، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أَمَا إِنَّكَ يَا أَبَا بَكْرٍ أَوَّلُ مَنْ يَدْخُلُ الْجَنَّةَ مِنْ أُمَّتِي.
الصديق رضي الله عنه كان يملك عند إسلامه أربعين ألف درهم، أنفقها جميعًا في سبيل الله عز وجل، أنفق منها خمسة وثلاثين ألف درهم في مكة، حتى لم يبق إلا خمسة آلاف درهم، أخذها معه في الهجرة أنفقها على رسول الله وعلى المؤمنين، حتى فني ماله، أو قل: بقي ماله. وليس: فني ماله. فالذي يبقى هو الذي يُنفق في سبيل الله، والذي يفنى هو الذي يُمْسك في يد العبد، ولكن تخيل قدر هذا الإنفاق لا بد أن نعرف قيمة هذه الأربعين ألف درهم في زماننا، لا تنسى أننا نتحدث عن زمن مر عليه أكثر من ألف وأربعمائة عام، إذا كانت قيمة الجنيه المصري مثلًا قد تغيرت كثيرا في غضون عشرة أو عشرين أو ثلاثين سنة، فما بالك بألف وأربعمائة من السنين تعالوا نقوم بحسبة لطيفة، ورد في بعض الأحاديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه اشترى شاة بدرهم، إذن الصديق رضي الله عنه كان يملك ما يساوي أربعين ألف شاة، ونحن اليوم نشتري الشاة بمتوسط 800 جنيه مصري مثلًا، إذن الصديق رضي الله عنه كان يملك ما يساوي 32 مليونًا من الجنيهات المصرية، يعني أكثر من 6 مليون دولار، وطبعًا كان الدرهم له قيمته، ولم يكن هناك تضخم، ولا أزمة اقتصادية، ولا تعويم للدرهم.
سبحان الله أنفق كل هذه الثروة الطائلة في سبيل الله، وفوق ذلك كان تاجرًا لم يتوقف عن تجارته، فهناك إنفاق فوق كل هذه الأموال المدخرة، وفوق ذلك هناك إنفاقه في المدينة المنورة من تجارته هناك، فقد أنفق كل أمواله في فترة مكة كما ذكرنا، لكن عاود الكسب من جديد، فمثلًا أنفق في تبوك أربعة آلاف درهم (حوالي مليون ونصف جنيه مصري) كانت هي كل ما يملك من مال، ولم يترك لأهله إلا كما قال: تركت لهم الله ورسوله.
هذا الإنفاق العجيب، والنفس المعطاءة هو الذي دفع رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يقول فيما رواه الإمام أحمد عن أبي هريرة رضي الله عنه وأرضاه: مَا نَفَعَنِي مَالٌ قَطُّ مَا نَفَعَنَي مَالُ أَبِي بَكْرٍ. فَبَكَى أَبُو بَكْرٍ وَقَالَ: هَلْ أَنَا وَمَالِي إِلَّا لَكَ يَا رَسُولَ اللَّهَ. وفي رواية الترمذي عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: مَا لِأَحَدٍ عِنْدَنَا يَدٌ إِلَّا وَقَدْ كَافَأْنَاهُ، مَا خَلَا أَبَا بَكْرٍ، فَإِنَّ لَهُ عِنْدَنَا يَدًا يُكَافِئُهُ اللَّهُ بِهَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَمَا نَفَعَنِي مَالٌ قَطُّ مَا نَفَعَنِي مَالُ أَبِي بَكْرٍ.

Digg this Post!Add Post to del.icio.usBookmark Post in TechnoratiFurl this Post!
رد مع اقتباس

 

 رقم المشاركة : ( 8 )









آلآـؤـركيـدآ has a reputation beyond reputeآلآـؤـركيـدآ has a reputation beyond reputeآلآـؤـركيـدآ has a reputation beyond reputeآلآـؤـركيـدآ has a reputation beyond reputeآلآـؤـركيـدآ has a reputation beyond reputeآلآـؤـركيـدآ has a reputation beyond reputeآلآـؤـركيـدآ has a reputation beyond reputeآلآـؤـركيـدآ has a reputation beyond reputeآلآـؤـركيـدآ has a reputation beyond reputeآلآـؤـركيـدآ has a reputation beyond reputeآلآـؤـركيـدآ has a reputation beyond repute

الأوسمـة
بيانات الإتصال
آخر المواضيع

آلآـؤـركيـدآ غير متواجد حالياً


الالفية الرابعة عشر التواصل 1430 النوايا الحسنة العطاء الوسام الذهبي الاداره 1 

افتراضي رد: بلا عنوان لحين اكتمال الموضوع

بتاريخ : [ 10-19-2009 - 08:44 AM ]

نعمة الثبات


لما علم الله عز وجل من الصديق إيمانًا عميقًا في قلبه، ويقينًا صادقًا في عقله، وعملًا صالحًا في كل جوارحه، لما رأى منه حبًا جارفًا لرسول الله صلى الله عليه وسلم قاد إلى تصديق كامل، واتباع دقيق، لما اطلع على قلبه فوجده رقيقًا حانيًا عطوفًا، ووجد خلقه حسنًا رفيعًا عاليًا، لما علم منه سبقًا إلى الخيرات، ومسارعة إلى الحسنات وحسمًا وعزمًا في كل أمور حياته، لما رأى منه عطاءً ثم عطاء، لما رأى منه كل ذلك وغيره، أنعم عليه بنعمة عظيمة وهِبة جليلة، أنعم عليه بنعمة الثبات على كل ما سبق من خير، الثبات على الإيمان، وعلى الإسلام، الثبات على الطاعة وحسن الخلق، الثبات على العطاء، الثبات أمام الفتن، كل الفتن صغيرة كانت أو كبيرة، دقيقة كانت أم عظيمة، خفية كانت أم ظاهرة.
والثبات شيء صعب وعسير، الإنسان قد ينشط في فترة من الفترات، ولكنه سرعان ما يفتر، قد يقوى في زمان، لكنه يضعف في أزمان، روى الإمام أحمد عن عبد الله بن عمرو بن العاصي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:
إِنَّ لِكُلِّ عَمَلٍ شِرَّةً، وَلِكُلِّ شِرَّةٍ فَتْرَةٌ، فَمَنْ كَانَتْ فَتْرَتُهُ إِلَى سُنَّتِي فَقَدْ أَفْلَحَ، وَمَنْ كَانَتْ فَتْرَتُهُ إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ، فَقَدْ هَلَكَ.
ولكن العجيب في حياة الصديق رضي الله عنه أن ترى ثباتًا في كل الفضائل، وفي كل المواقف منذ أسلم، وحتى مات، مهما تغيرت الظروف والأحوال، والثبات فعلًا شيء عسير، الدنيا من طبيعتها التقلب، من النادر أن تجد فيها شيئًا ثابتًا، كما قالوا قديمًا: دوام الحال من المحال، يقول سبحانه:
[يُقَلِّبُ اللهُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي الأَبْصَارِ] {النور:44} .
ويقول:
[وَتِلْكَ الأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ] {آل عمران:140} .
ويقول:
[يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ البَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِنْ مُضْغَةٍ مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ لِنُبَيِّنَ لَكُمْ وَنُقِرُّ فِي الأَرْحَامِ مَا نَشَاءُ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلًا ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّى وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ العُمُرِ لِكَيْلَا يَعْلَمَ مِنْ بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئًا وَتَرَى الأَرْضَ هَامِدَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا المَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ] {الحج:5} .
هكذا الإنسان دائمًا في تقلب، والأرض كذلك دائمًا في تقلب، والقلب أيضًا كذلك، كثير التقلب، بل قيل: إن القلب سمي قلبًا؛ لأنه سريع التقلب.
روى الترمذي عن أنس رضي الله عنه قال:
كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يكثر أن يقول:
يَا مُقَلِّبَ الْقُلُوبِ ثَبِّتْ قَلْبِي عَلَى دِينِكِ.
فقلت:
يا رسول الله، آمنا بك، وبما جئت به، فهل تخاف علينا؟
قال: نَعَمْ، إِنَّ الْقُلُوبَ بَيْنِ إِصْبَعَيْنِ مِنْ أَصَابِعِ اللَّهِ، يُقَلِّبُهَا كَيْفَ يَشَاءُ.
وفي رواية لمسلم عن عبد الله بن عمرو بن العاص، قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:
إِنَّ قُلُوبَ بَنِي آدَمَ كُلَّهَا بَيْنَ إِصْبَعَيْنِ مِنْ أَصَابِعِ الرَّحْمَنِ، كَقَلْبٍ وَاحِدٍ يُصَرِّفُهُ حَيْثُ يَشَاءُ.
ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
يَا مُصَرِّفَ الْقُلُوبِ، صَرِّفْ قُلُوبَنَا عَلَى طَاعَتِكَ.
ويزداد الأمر صعوبة على القلب بتغير الظروف من حوله، فقلب قد يثبت على حاله من الغنى، فإذا افتقر الإنسان فتن، وقلب قد يثبت على حاله من الفقر، فإذا اغتنى الإنسان فتن، قد يثبت في بلد، ويفتن في آخر، قد يثبت في عمل، ويفتن في آخر، قد يثبت في سن، ويفتن في سن آخر، بل قد يثبت في نهار، ويفتن في ليل، بل قد يثبت لحظة، ويفتن في لحظة تالية، والإنسان في هذه الدنيا ليس متروكًا في حاله، كثير من الأعداء تناوشه وتهاجمه، الشيطان لا يهدأ ولا يستكين
[ثُمَّ لَآَتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ وَلَا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ] {الأعراف:17} .
فالدنيا مجموعة متراكمة من الفتن
[يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ وَعْدَ اللهِ حَقٌّ فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلَا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللهِ الغَرُورُ] {فاطر:5} .
النفس، نفس الإنسان تُغير كثيرًا من قلبه [إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّي] {يوسف:53}.
وشياطين الإنس أحيانًا ما يكونون أشد ضراوة من شياطين الجن، وبين كل هذه المتقلبات يعيش القلب، فكيف لا يتقلب؟ وهو القلب المشهور بالتقلب، والقلب إن كان ضعيف الإيمان فتقلبه خطير
[وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالآَخِرَةَ ذَلِكَ هُوَ الخُسْرَانُ المُبِينُ] {الحج:11} .
والنجاة من التقلب عسيرة إلا إذا مَنّ الله بها على عبده، والله لا يَمُنّ بالثبات على عبد خامل كسلان، بل لا بد أن يقدم شيئًا، اسمع إلى قوله عز وجل:
[لَا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا قَدْ يَعْلَمُ اللهُ الَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ مِنْكُمْ لِوَاذًا فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ] {النور:63} .
إذن اتباع الرسول صلى الله عليه وسلم اتباعًا لصيقًا دقيقًا يقي الإنسان شر الفتن، أو قل: يجعل الإنسان أهلًا أن يَمُنّ الله عليه بنعمة الثبات، جميع الخلق بلا استثناء لا يثبتون بغير تثبيت الله لهم، اقرأ إن شئت كلام الله سبحانه، في حق رسول الله صلى الله عليه وسلم:
[وَلَوْلَا أَنْ ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا] {الإسراء:74}
واقرأ معي قوله تعالى:
[يُثَبِّتُ اللهُ الَّذِينَ آَمَنُوا بِالقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآَخِرَةِ وَيُضِلُّ اللهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللهُ مَا يَشَاءُ] {إبراهيم:27} .
وأكثر المسلمين اتباعًا لسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم كان أبو بكر الصديق رضي الله عنه، وأكثر المسلمين تلقيًا لتثبيـت الله بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم كان أبو بكر الصديق رضي الله عنه أيضًا، حياته عجيبة رضي الله عنه وأرضاه، كم من الفتن عرض عليه، وكم من الثبات قدم رضي الله عنه،روى الترمذي وغيره حديثًا وقال: حديث حسن. يفسر لنا هذه الفتن الكثيرة التي عرضت للصديق رضي الله عنه في حياته، عن سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه قال: قلت: يا رسول الله، أي الناس أشد بلاءً؟ قال: الْأَنْبِيَاءُ، ثُمَّ الْأَمْثَلُ، فَالْأَمْثَلُ، فَيُبْتَلَى الرَّجُلُ عَلَى حَسَبِ دِينِهِ، فَإِنْ كَانَ دِينُهُ صُلْبًا اشْتَدَّ بَلَاؤُهُ، وَإِنْ كَانَ فِي دِينِهِ رِقَّةٌ ابْتُلِيَ عَلَى حَسَبِ دِينِهِ، فَمَا يَبْرَحُ الْبَلَاءُ بِالْعَبْدِ، حَتَّى يُتْرُكُهُ يَمْشِي عَلَى الْأَرْضِ مَا عَلَيْهِ خَطِيئَةٌ.
ولكون الصديق هو الأمثل في الإيمان، بعد الأنبياء، فإن ابتلاءه كان شديدًا. ولنتجول في حياة الصديق رضي الله عنه، نتعرف على طرف من ابتلائه وطرف من ثباته.

ثباته أمام فتنة المال

وقصدت أن أبدأ بها؛ لأنها فتنة عظيمة، وكثير من المؤمنين يثبتون أمام فتن شتى، فإذا جاءوا إلى فتنة المال، وقعوا فيها، ويقول أحد الصحابة:
ابتلينا بالضراء، فصبرنا، وابتلينا بالسراء، فلم نصبر.
حتى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول في الحديث الذي رواه الترمذي وقال: حسن صحيح، وكذلك رواه الإمام أحمد عن كعب بن عياض رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
إِنَّ لِكُلِّ أُمَّةٍ فِتْنَةً، وَفِتْنَةُ أُمَّتِي الْمَالُ.
وإن كان هناك بشر لا يهتز أمام المال غير الأنبياء، فهو أبو بكر الصديق رضي الله عنه، لقد شاهدنا كثيرًا من المتقين، وشاهدنا كثيرًا من الزاهدين في الدنيا، وسمعنا عن أمثلة عظيمة، ومواقف مشهودة، لكننا لم نسمع عن رجل اعتاد أن ينفق كل ماله في سبيل الله، لا يُبقي لأهله، ولنفسه شيئًا، ليس مرة أو مرتين يفعلها، ولكنه اعتاد الثبات على ذلك، ونحن تحدثنا من قبل عن إنفاقه رضي الله عنه في الدعوة في حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم سواء في فترة مكة، أو المدينة، وذكرنا تقدير رسول الله لذلك، لكن نذكر هنا طرفًا سريعًا من ثباته أمام فتنة المال بعد أن تولى الخلافة:
- فها هو الصديق بعد أن أنفق ماله كله، يمتلك مقاليد الحكم في المدينة، ويضع يده على بيت المال، وها هي القبائل المرتدة تعود إلى الإسلام بعد عام من القتال المستديم، فيأتي خراجها، وتأتي صدقاتها، ويمتلأ بيت المال، ثم ها هي فارس تفتح، والشام كذلك تفتح، وتأتي الغنائم وفيرة، والكنوز عظيمة، فماذا فعل الصديق رضي الله عنه؟
ما تغير قدر أنملة، وما فتن بالدنيا لحظة، ليس الصديق الذي يتبدل، لقد أعطى الدنيا حجمها، وزهد فيها، وأعطى الآخرة حجمها كذلك فعمل لها، فقد سمع من حبيبه وحبيبنا محمد صلى الله عليه وسلم حديثًا وضح فيه حجم الدنيا مقارنة بالآخرة، وهو الحديث الذي رواه الإمام مسلم عن المستورد بن شداد رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
وَاللَّهِ مَا الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا مِثْلُ مَا يَجْعَلُ أَحَدُكُمْ إِصْبَعُهُ هَذِهِ فِي الْيَمِّ، فَلْيَنْظُرْ بِمَ تَرْجِعُ. يعني التي تلي الإبهام.
ما غاب عن ذهنه أبدًا هذا المقياس، ومن أجل هذا لم يفتن بالدنيا لحظة، لقد سمع وصية من معلمه ومعلمنا، ومرشده ومرشدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فوضعها نصب عينيه، روى مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:
إِنَّ الدُّنْيَا حُلْوَةٌ خَضِرَةٌ، وَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى مُسْتَخْلِفُكُمْ فِيهَا، فَيَنْظُرُ كَيْفَ تَعْمَلُونَ، فَاتَّقُوا الدُّنْيَا وَاتَّقُوا النِّسَاءَ.
- أصبح الصديق ذات يوم بعد أن ولي الخلافة، وعلى يده أبراد (والبُرد هو الثوب المخطط) فكان يحمل هذه الأبراد متجهًا إلى السوق؛ ليتاجر كعادته، حتى بعد أن أصبح خليفة، فلقيه عمر بن الخطاب، فسأله:
أين تريد؟
قال:إلى السوق.
قال عمر: تصنع ماذا؟ وقد وليت أمر المسلمين.
قال: فمن أين أطعم عيالي؟
ولنتأمل، يده على بيت المال بكامله، ويتساءل هذا السؤال! فأشار عليه أن يذهبا إلى أبي عبيدة أمين بيت المال، ليفرض له قوته وقوت عياله، فذهبا إليه، ففرض له، إلى هذه الشفافية في الضمير، والأمانة في اليد، والنقاء في النفس وصل الصديق رضي الله عنه، ينزل إلى السوق، وهو خليفة كي يتاجر حتى يطعم عياله، وطبعًا عف الصديق، فعفت الرعية، لم نسمع عن وزير من وزراء، أو مستشار من مستشاريه هرّب أمواله إلى بنوك فارس والروم.
- وانظروا إلى الصديق، وهو على فراش الموت، بعد رحلة طويلة من الجهاد المضني، انظروا إليه كيف يقول وهو رأس الدولة التي دكت حصون فارس والروم، يقول مخاطبًا عائشة رضي الله عنها:
أما إنا منذ ولينا أمر المسلمين، لم نأكل لهم دينارًا، ولا درهمًا، ولكنا قد أكلنا من جريش طعامهم (يقصد الطعام البسيط) في بطوننا، ولبسنا من خشن ثيابهم على ظهورنا، وليس عندنا من فيء المسلمين قليل ولا كثير، إلا هذا العبد الحبشي، وهذا البعير الناضب، وهذه القطيفة (كساء في بيته رضي لله عنه)، فإذا مت فابعثي بهن (العبد الحبشي، والبعير الناضب، والقطيفة) إلى عمر وابرأي منهن.
تقول السيدة عائشة: ففعلت.
فلما جاء الرجل الذي أرسلته السيدة عائشة إلى عمر، بكى حتى جعلت دموعه تسيل في الأرض، ويقول:
رحم الله أبا بكر، لقد أتعب مَن بعده، رحم الله أبا بكر، لقد أتعب من بعده، رحم الله أبا بكر لقد أتعب من بعده.
وجاء في رواية أخرى موقفًا آخر له عند الوفاة يصور مدى عفته وثباته، إذ قال: إن عمر لم يدعني حتى أصبت من بيت المال ستة آلاف درهم وإن حائطي الذي بمكان كذا وكذا فيها.
يقصد أن عمر قد أرغمه على تقاضي أجر من بيت مال المسلمين، يرى الصديق أنه كان كبيرًا، مع أنه لم يكن يكفي إلا الكفاف، كما ثبت في روايات أخرى، فالآن سيتبرع لبيت المال بحائط له في مقابل هذا المال.
فلما توفي الصديق ذُكِر ذلك لعمر فقال:
رحم الله أبا بكر، لقد أحب أن لا يدع لأحد بعده مقالًا.
هذا طرف من ثباته أمام فتنة المال

ثباته أمام فتنة الرئاسة والمنصب

فتنة الرئاسة فتنة عظيمة، وابتلاء كبير، وكثير من الناس يعيش حياة التواضع، فإذا صعد على منبر الحكم تغير، وتبدل، وتكبر، فتنة عظيمة، وانظر إلى الحسن البصري يقول في كلمة عظيمة له:
وآخر ما يُنزع من قلوب الصالحين، حب الرئاسة.
أما الصديق رضي الله عنه، فإنه قد نزع منه حب الرئاسة منذ البداية، كان يعيش قدرًا معينًا من التواضع قبل الخلافة، وهذا القدر تضاعف أضعافًا مضاعفة بعد الخلافة، ولعلنا لا نبالغ إن قلنا:
إن أعظم خلفاء الأرض تواضعًا بعد الأنبياء كان الصديق رضي الله عنه. والله لقد فعل أشياء يحار العقل كيف لبشر أن يتواضع إلى هذه الدرجة؟ ولولا اليقين في بشريته لكانت شبيهة بأفعال الملائكة، هو قد سمع من حديث حبيبه صلى الله عليه وسلم الحديث الذي رواه مسلم عن أبي يعلى معقل بن يسار رضي الله عنه: مَا مِنْ أَمِيرٍ يَلِي أُمُورَ الْمُسْلِمِينَ، ثُمَّ لَا يَجْهَدُ لَهُمْ وَيَنْصَحُ لَهُمْ إِلَّا لَمْ يَدْخُلْ مَعَهُمُ الْجَنَّةَ.
والصديق جهد للمسلمين ونصح للمسلمين كأفضل ما يكون الجهد والنصح، ولذا فهو ليس فقط يدخل الجنة معهم، بل يسبقهم إليها، كيف يتكبر الصديق، وهو الذي كان حريصًا طيلة حياته على نفي كل مظاهر الكبر، والخيلاء من شخصيته، وكان يتحرى ذلك حتى في ظاهره، يروي البخاري عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: مَنْ جَرَّ ثَوْبَهُ خُيَلَاءَ لَمْ يَنْظُرِ اللَّهُ إِلَيْهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ.
وقعت الكلمات في قلب أبي بكر، وتحركت النفس المتواضعة تطمئن على تواضعها، أسرع الصديق رضي الله عنه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: يا رسول الله، إن إزاري يسترخي إلا أن تعاهده.
أشعر أنه قالها، وهو يرتجف، ويخشى من حكم رسول الله صلى الله عليه وسلم، لكن رسول الله صلى الله عليه وسلم أثلج صدره وطمأنه، ووضح له متى يكون استرخاء الإزار منهيًا عنه، قال:
إِنَّكَ لَسْتَ مِمَّنْ يَفْعَلُهُ خُيَلَاءَ.
شهادة من سيد الخلق، وممن لا ينطق عن الهوى، إن الصديق لا يفعل ذلك خيلاء، وكان من الممكن أن يقول له إنك لست متعمدًا للإسبال، لكنه يخرج من كل هذا إلى الحقيقة المجردة، تواضع الصديق رضي الله عنه.
وإلى مواقف من حياة الصديق كخليفة ورئيس وحاكم.
ذكرنا بعض المواقف له في السابق، ذكرنا موقفه مع أسامة بن زيد رضي الله عنهما، قبل ذلك وهو يودعه إلى حرب الروم في الشمال، والآن نذكر بعض مواقفه الأخرى:
- موقف عجيب من مواقف الخليفة الرئيس أبي بكر الصديق رضي الله عنه، كان الصديق رضي الله عنه يقيم بالسنح على مقربة من المدينة، فتعود أن يحلب للضعفاء أغنامهم كرمًا منه، وذلك أيام الرسول صلى الله عليه وسلم، وكان هو الوزير الأول لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فسمع جارية تقول بعد مبايعته بالخلافة:
اليوم لا تحلب لنا منائح دارنا.
فسمعها الصديق رضي الله عنه فقال:
بلى، لعمري لأحلبنها لكم.
فكان يحلبها، وربما سأل صاحبتها:
يا جارية أتجدين أن أرغي لك أو أصرح؟
أي يجعل اللبن برغوة، أم بدون رغوة، فربما قالت: أرغ. وربما قالت: صرّح. فأي ذلك قالته فعل.
- موقف آخر أغرب، كان عمر بن الخطاب رضي الله عنه يتعهد عجوزًا كبيرة عمياء في بعض حواش المدينة من الليل، فيسقي لها، ويقوم بأمرها، فكان إذا جاءها وجد غيره قد سبقه إليها، فأصلح لها ما أرادت، فجاءها غير مرة كيلا يسبق إليها، فرصده عمر، فإذا هو بأبي بكر الذي يأتيها، وهو يومئذ خليفة فقال عمر:
أنت هو لعمري.
وكان من الممكن أن يكلف رجلا للقيام بذلك، ولكنه الصديق، يشعر بالمسئولية تجاه كل فرد من أفراد الأمة، كما أنه رضي الله عنه قد آثر أن يخدمها بنفسه، يربي نفسه على التواضع لله عز وجل، ويربي نفسه على ألا يتكبر حتى على العجوز الكبيرة العمياء.
- أخرج البيهقي عن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما، أن أبا بكر الصديق رضي الله عنه قام يوم الجمعة فقال:
إذا كان بالغداة فاحضروا صدقات الإبل نقسم، ولا يدخل علينا أحد إلا بإذن.
صدقات الإبل كانت قد جاءت كثيرة إلى أبي بكر الصديق، فوضعوها في مكان، وسيدخل في اليوم التالي أبو بكر، وعمر رضي الله عنهما، ليقسما هذه الصدقات، فسيدنا أبو بكر يحذر الناس، فقالت امرأة لزوجها:
خذ هذا الحظام لعل الله يرزقنا جملًا.
فأتى الرجل فوجد أبا بكر وعمر قد دخلا إلى الإبل، فدخل معهما، هنا الرجل ارتكب مخالفة واضحة لخليفة البلاد، ودخل عليه بغير إذن، مع كونه نبه على ذلك، فالتفت إليه أبو بكر فقال:
ما أدخلك علينا؟
ثم أخذ منه الحظام، فضربه، فلما فرغ أبو بكر من قسمة الإبل دعا الرجل، فأعطاه الحظام، وقال:
استقد.
أي اقتص مني، كما ضربتك اضربني، سبحان الله، فقال عمر رضي الله عنه:
والله لا يستقيد، لا تجعلها سنة.
يعني كلما أخطأ خليفة في حق واحد من الرعية، قام المظلوم بضرب الأمير فتضيع هيبته، فقال الصديق رضي الله عنه:
فمن لي من الله يوم القيامة؟
فقال عمر: أَرْضِهِ.
فأمر أبو بكر غلامه أن يأتيه براحلة، ورحلها وقطيفة (أي كساء)، وخمسة دنانير، فأرضاه بها.

Digg this Post!Add Post to del.icio.usBookmark Post in TechnoratiFurl this Post!
رد مع اقتباس

 

 رقم المشاركة : ( 9 )









آلآـؤـركيـدآ has a reputation beyond reputeآلآـؤـركيـدآ has a reputation beyond reputeآلآـؤـركيـدآ has a reputation beyond reputeآلآـؤـركيـدآ has a reputation beyond reputeآلآـؤـركيـدآ has a reputation beyond reputeآلآـؤـركيـدآ has a reputation beyond reputeآلآـؤـركيـدآ has a reputation beyond reputeآلآـؤـركيـدآ has a reputation beyond reputeآلآـؤـركيـدآ has a reputation beyond reputeآلآـؤـركيـدآ has a reputation beyond reputeآلآـؤـركيـدآ has a reputation beyond repute

الأوسمـة
بيانات الإتصال
آخر المواضيع

آلآـؤـركيـدآ غير متواجد حالياً


الالفية الرابعة عشر التواصل 1430 النوايا الحسنة العطاء الوسام الذهبي الاداره 1 

افتراضي رد: بلا عنوان لحين اكتمال الموضوع

بتاريخ : [ 10-19-2009 - 08:54 AM ]

هذا خليفة البلاد، وقد ضرب أحد رعاياه ضربة واحدة فقط، ولكنه يريد أن يُضْرب مكان هذا السوط الذي ضرب، حتى يقف أمام الله عز وجل يوم القيامة خالصًا، ليس لأحد عنده شيء.
- بل اقرأ وصيته إلى جيوشه، وهي تخرج لحرب الروم، في بعث أسامة بن زيد، ثم بعد ذلك إلى فتح فارس، ثم إلى فتح الروم، كان يوصيها بوصايا عجيبة، وكأنه يوصي بأصدقاء، وليس بأعداء، كان يوصيهم بالرحمة حتى في حربهم كان مما قال لهم:
لا تخونوا، ولا تغلوا، ولا تغدروا، ولا تُمثّلوا، ولا تقطعوا شجرة مثمرة، ولا تذبحوا شاة، ولا بقرة، ولا بعيرًا، إلا لمأكلة، وسوف تمرون بأقوام قد فرغوا أنفسهم في الصوامع، فدعوهم، وما فرغوا أنفسهم له.
وتأمل معي يا أخي، أيوصي بأحباب أم يوصي بأعداء؟!
والله ما عرف التاريخ مثل حضارة الإسلام، ورقي الإسلام، ونور الإسلام، ولكن أكثر الناس لا يعلمون، أين هذا من حروب الشرق والغرب؟
أين هذا من حروب غير المسلمين؟
فالمسلمون قد علّموا غيرهم الرحمة في كل شيء حتى في الحرب.

ثباته أمام فتنة الأولاد

فالمرء قد يقبل أن يضحي تضحيات كثيرة، إذا كان الأمر يخصه هو شخصيًا، ولكن إذا ارتبط الأمر بأولاده، فإنه قد يتردد كثيرًا، فغالبًا ما يحب الرجل أولاده أكثر من نفسه، كما أن ضعف الأولاد، ورقتهم، واعتمادهم على الأبوين، يعطي مسوغات قد يظنها الرجل شرعية للتخلف عن الجهاد بالنفس والمال، واقرأ قول الله عز وجل:
[يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلَادِكُمْ عَدُوًّا لَكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ وَإِنْ تَعْفُوا وَتَصْفَحُوا وَتَغْفِرُوا فَإِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ] {التغابن:14}
روى الترمذي، وقال: حسن صحيح. أن رجلًا سأل ابن عباس رضي الله عنهما عن هذه الآية قال:
هؤلاء رجال أسلموا من أهل مكة، وأرادوا أن يأتوا النبي صلى الله عليه وسلم، فأبى أزواجهم، وأولادهم أن يدعوهم أن يأتوا النبي صلى الله عليه وسلم، فلما أتوا النبي صلى الله عليه وسلم بعد ذلك، رأوا الناس قد فقهوا في الدين، هموا أن يعاقبوهم (أي يعاقبوا أولادهم)، فأنزل الله:
[يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلَادِكُمْ عَدُوًّا لَكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ وَإِنْ تَعْفُوا وَتَصْفَحُوا وَتَغْفِرُوا فَإِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ] {التغابن:14}
الآية التالية مباشرة لهذه الآية في سورة التغابن تقول:
[إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ وَاللهُ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ] {التغابن:15}
هكذا بهذا التصريح، التقرير الواضح: إنما أموالكم وأولادكم فتنة.
أين أبو بكر الصديق رضي الله عنه وأرضاه من هذه الآيات؟
القضية كانت في منتهى الوضوح في نظر الصديق رضي الله عنه، وأوراقه كانت مرتبة تمامًا، الدعوة إلى الله، والجهاد في سبيله، ونصرة رسول الله صلى الله عليه وسلم مقدمة على كل شيء، والصديق مع رقة قلبه، وعاطفته الجياشة، ومع تمام رأفته مع أولاده، كان لا يقدم أحدًا منهم، مهما تغيرت الظروف على دعوته، وجهاده، وما فتن بهم لحظة.
- أعلن الدعوة مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في مكة، ودافع عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، حتى كاد أن يقتل، ولم يفكر أنه إذا مات سوف يخلف وراءه صغارًا ضعافًا، محتاجين في وسط الكفار المتربصين، كان يجاهد، ويعلم أنه إذا أراد الحماية للذرية الضعيفة أن يتقي الله عز وجل، وأن ينطلق بكلمة الدعوة، وكلمة الحق أيًا كانت العوائق
[وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافًا خَافُوا عَلَيْهِمْ فَلْيَتَّقُوا اللهَ وَلْيَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا] {النساء:9} .
- لما هاجر الصديق مع رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يبكي من الفرح، لأنه سيصحب رسول الله صلى الله عليه وسلم في طريق مليء بالمخاطر، مخلفًا وراءه ذرية في غاية الضعف، ويعلم أن قريشًا ستهجم على بيته لا محالة، وقد حدث، وضرب أبو جهل لعنه الله أسماء بنت الصديق رضي الله عنهما، فسال الدم منها، ما رأى الصديق كل ذلك، كل ما رآه هو نصرة الرسول صلى الله عليه وسلم، وطريق الله عز وجل، ليس هذا فقط ولكنه حمل معه كل أمواله، كل ما تبقى بعد الإنفاق العظيم، خمسة آلاف درهم حملها جميعًا لرسول الله صلى الله عليه وسلم،
وماذا ترك لأهله؟
ترك لهم الله ورسوله، يقين عجيب، وثبات يقرب من ثبات الأنبياء، أبو قحافة والد الصديق رضي الله عنه كان طاعنًا في السن وقت الهجرة، وكان قد ذهب بصره، دخل على أولاد الصديق، وهو على وَجَل من أن الصديق قد أخذ كل ماله، وترك أولاده هكذا، لكن الابنة الواعية الواثقة المطمئنة بنت الصديق أسماء رضي الله عنها، وعن أبيها، وضعت يد الشيخ على كيس مملوء بالأحجار توهمه أنه مال، فسكن الشيخ لذلك، الشيخ الكبير لن يفهم هذه التضحيات، ولن يفهمها أحد إلا من كان على يقين يقارب يقين الصديق رضي الله عنه.
- الصديق يوظف أولاده في عملية خطيرة، عملية التمويه على الهجرة، عملية قد تودي بحياتهم في وقت اشتاط الغضب بقريش، حتى أذهب عقلها، عبد الله بن الصديق كان يتحسس الأخبار في مكة نهارًا، ثم يذهب ليلًا إلى غار ثور يخبر الرسول صلى الله عليه وسلم وأباه بما يحدث في مكة، ويظل حارسًا على باب الغار حتى النهار، ثم يعود أدراجه إلى مكة، السيدة أسماء كانت حاملًا في الشهور الأخيرة من حملها، ومع ذلك، فكان عليها أن تحمل الطعام إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبي بكر الصديق في غار ثور سالكة طريقًا وعرًا، وصاعدة جبلًا صعبًا، وذلك حتى إذا رآها أحد لا يتخيل أن المرآة الحامل تحمل زادًا إلى الرسول وصاحبه، مهمة خطيرة، وحياتها في خطر، لكن ما أهون الحياة إن كان الله هو المطلب، وإن كانت الجنة هي السلعة المشتراة.
- ومر بنا كيف تبرع بكل ماله في تبوك، وما ترك شيئًا لأولاده رضي الله عنه، وأرضاه، فلما سأله رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ماذا أبقى لأهله؟ قال:
أبقيت لهم الله ورسوله.
- ثم ها هو الصديق يقدم فلذة كبده عبد الله بن أبي بكر رضي الله عنهما، ها هو يقدمه شهيدًا في سبيل الله، علمه حب الجهاد، وحب الموت في سبيل الله، فأصيب في الطائف بسهم، ولم يمت في ساعتها، بل بقى أيامًا وشهورًا، ويقال: إنه خرج بعد ذلك إلى اليمامة في حروب المرتدين، واستشهد هناك. الثابت أنه استشهد في خلافة الصديق رضي الله عنه، وكأن الله أراد أن ينوع عليه الابتلاءات حتى يُنقى تمامًا من أي خطيئة، بل إنه قال كلمة عجيبة لما رأى قاتل ابنه عبد الله وكان قد أسلم بعد أن قتله قال:
الحمد لله الذي أكرمه بيديك (يعني أكرمه الشهادة) ولم يُهْلِكّ بيده (أي الموت كافرًا) فإنه أوسع لكما.
سعيد لأن ابنه قد مات شهيدًا في سبيل الله، وأيضًا لأن هذا الرجل لم يقتل على يد عبد الله، فكانت أمامه فرصة للإسلام، أي رجل هذا؟!
- لكن إن كان لنا أن نفهم كل هذه التضحيات، فإن له موقفًا مع ولد من أولاده يتجاوز كل حدود التضحيات المعروفة، والمألوفة لدى عامة البشر، الصديق رضي الله عنه في غزوة بدر يكون في فريق، فريق المؤمنين، وابنه البكر عبد الرحمن بن أبي بكر في الفريق الآخر، فريق المشركين، ولم يكن قد أسلم بعد، وإذا بالصديق رضي الله عنه يبحث عن فلذة كبده، وثمرة فؤاده؛ ليقتله، نعم ليقتله!
وقف كفر الابن حاجزًا بين الحب الفطري له، وبين حب الله عز وجل، فقدم الصديق حب الله عز وجل دون تردد، ولا تفكير، وضوح الرؤية، نعم وضوح الرؤية إلى هذه الدرجة، لكن بفضل الله لم يوفق الصديق في أن يجد ابنه؛ لأن الله مَنّ عليه بعد ذلك بالإسلام، أسلم يوم الحديبية، ولما أسلم قال لأبيه:
لقد أهدفت لي يوم بدر، فملت عنك، ولم أقتلك.
أي رأيتك هدفًا سهلًا في بدر، وكان عبد الرحمن بن أبي بكر رضي الله عنه من أمهر الرماة في فريق المشركين، فقال أبو بكر في ثبات وثقة:
ولكنك لو أهدفت إليّ، لم أمل عنك.
وسبحان الله، وكأن الله أراد أن يشبه أبا بكر بإبراهيم عليه الصلاة والسلام أكثر وأكثر، فقد ضرب رسول الله صلى الله عليه وسلم إبراهيم مثلًا للصديق بعد تخيير الحكم في أسارى بدر، أراد الله أن يشبه أبا بكر بالخليل إبراهيم عليه الصلاة والسلام، الذي ابتلي البلاء المبين بذبح ابنه، فيبتلي الصديق كذلك بالبحث عن ابنه ليذبحه بيده، أيّ مثل رائع ضربه الصديق لهذه الأمة؟!
كيف تغلّب على هذا المعوق الخطير الذي كثيرًا ما خلف أناسًا عن السير في طريق الدعوة، وعن السير في طريق الجهاد؟
[شَغَلَتْنَا أَمْوَالُنَا وَأَهْلُونَا] {الفتح:11}.
لكن هذا لم يأت من فراغ، بل هو نتيجة لاتباع رسول الله صلى الله عليه وسلم، والسبق إلى الخيرات، والشعور بأهمية الدعوة، واستحقار أمر الدنيا، وتعظيم الآخرة، كان كل ذلك وراء هذا اللون العجيب من الثبات.

فتنة ضياع النفس وثباته أمامها

والنفس غالية، وإن ذهبت النفس فلا عودة لها إلى يوم القيامة، لكن الصديق واضح الرؤية، وثاقب النظر، له قواعد ثابتة تحكم حياته، من هذه القواعد: [قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللهُ لَنَا هُوَ مَوْلَانَا وَعَلَى اللهِ فَلْيَتَوَكَّلِ المُؤْمِنُونَ] {التوبة:51}. من هذه القواعد:
[لِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ إِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ فَلَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ] {يونس:49}.
من هذه القواعد:
[إِنَّ اللهَ اشْتَرَى مِنَ المُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنْجِيلِ وَالقُرْآَنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الفَوْزُ العَظِيمُ] {التوبة:111} .
من هذه القواعد:
[وَجَاهِدُوا فِي اللهِ حَقَّ جِهَادِهِ هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ المُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ وَفِي هَذَا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآَتُوا الزَّكَاةَ وَاعْتَصِمُوا بِاللهِ هُوَ مَوْلَاكُمْ فَنِعْمَ المَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ]{الحج:78} .
من هذه القواعد:
[كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ المَوْتِ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ القِيَامَةِ فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَمَا الحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الغُرُورِ] {آل عمران:185} .
إذا نظرت إلى هذه القواعد مجتمعة أدركت جانبًا لا بأس به من حياة الصديق، تعالوا نستمتع بوقفات مع الصديق رضي الله عنه، نرقب كيف خلصت نفسه من حظ نفسه:
- تروي السيدة عائشة رضي الله عنها أنه لما بلغ أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم قرابة الأربعين رجلًا (يعني في أوائل فترة مكة) ألح الصديق رضي الله عنه على رسول الله صلى الله عليه وسلم في الظهور، فقال:
يَا أَبَا بَكْرٍ إِنَّا قَلِيلٌ.
فلم يزل أبو بكر يلح، حتى ظهر رسول الله صلى الله عليه وسلم، وتفرق المسلمون في نواحي المسجد، كل رجل في عشيرته، ويبدو أن هذا لم يكن ظهورًا كاملًا للمسلمين؛ لأنه من المعروف أن الظهور الكامل لم يكن إلا بعد إسلام الخطاب رضي الله عنه، ولما ذهبوا إلى المسجد الحرام لم يكتف الصديق بمجرد الظهور، فوقف خطيبًا يدعو إلى الله تعالى، ويدعو إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، ورسول الله صلى الله عليه وسلم جالس، لذا يقولون: إن الصديق أول خطيب في الإسلام.
بعد رسول الله طبعًا، ماذا كان رد فعل المشركين؟
ثار المشركون ثورة عنيفة، وقاموا يضربون الصديق ضربًا عنيفًا، تنكروا لأعرافهم في الجاهلية، ونسوا مكانة الصديق المرموقة في المجتمع المكي القديم، وأكل الحقد قلوبهم، وما زال بهم الحقد حتى أعمى أبصارهم، دنا الفاسق عتبة بن ربيعة من الصديق رضي الله عنه وأرضاه، وجعل يضربه بنعلين مخصوفين في وجهه، حتى ما يعرف وجهه من أنفه، وذلك من شدة تورم وجهه، وجاء بنو تيم يتعادون، فأجلت المشركين عن أبي بكر، وحملوه في ثوب، حتى أدخلوه منزله، ولا يشكون في موته، ثم رجعت بنو تيم إلى المسجد، وقالوا:
والله لئن مات أبو بكر، لنقتلن عتبة بن ربيعة.
ثم رجعوا إلى أبي بكر، فجعلوا يكلمون أبا بكر، وهو في إغماءه طويلة، حتى أفاق آخر النهار، فرد عليهم، فماذا قال؟
قال: ما فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم؟
سبحان الله حتى، وهو في هذه الحالة بين الحياة والموت، طبعًا بنو تيم لم يفهموا هذه العاطفة الجياشة، كل ما فهموه هو الوضع الخطير الذي وضعهم فيه الصديق رضي الله عنه، وها هم قد توعدوا بقتل زعيم من زعماء قريش عتبة بن ربيعة، ولا شك إن قتلوه ستنقسم قريش إلى أحزاب، وشيع، وإن لم يقتلوه إذا مات الصديق، فإنهم سيخلفون وعدهم، وهذه في عرف العرب إهانة لا تستقيم بعدها حياة، كل هذه الأمور المتفاعلة جعلتهم يعنفون الصديق، ويلومونه، ويكيلون له الكلام، بما فيهم أبوه أبو قحافة، ومع ذلك فالصديق رضي الله عنه له مكانة كبيرة في قلوبهم، التفوا إلى أمه أم الخير وكانت آنذاك مشركة، وقالوا:
انظري أن تطعميه شيئًا أو تسقيه إياه.
فلما انصرفوا حاولت أمه أن تطعمه، وتسقيه، لكنه جعل يقول:
ما فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم؟
أشبهه بالأم التي أصيبت هي وولدها في حادث فأغمى عليها ثم أفاقت، أيكون لهم من هم إلا الاطمئنان على ولدها؟!
هكذا أحَبّ الصديق رسول الله صلى الله عليه وسلم، أو يزيد، قال الصديق لأمه:
اذهبي إلى أم جميل بنت الخطاب فاسأليها عنه.
وأم جميل هي أخت عمر بن الخطاب، وكانت آنذاك مسلمة، وأخوها مشركًا، فخرجت أم الصديق إلى أم جميل فقالت:
إن أبا بكر يسألك عن محمد بن عبد الله.
هنا نرى موقفًا لطيفًا من أم جميل بنت الخطاب رضي الله عنها، فتلك المرأة المسلمة الواعية الحذرة خشيت من أم الصديق، أم الصديق ما زالت مشركة، أفتكشف نفسها وتعرفها بإسلامها هكذا؟!
وإن فعلت أتثبت له أنها تعرف المكان الذي فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم، الرسول يجلس مع صحابته في دار الأرقم، وقريش لا تعرف ذلك أفتدل هي عليه؟
هنا فكرت أم جميل بسرعة وقالت:
ما أعرف أبا بكر ولا محمد بن عبد الله.
لكنها في نفس الوقت تعرف من هو الصديق، فهو الرجل الثاني في الدعوة، وقد يكون في احتياج إلى شيء هام، ثم إنه يعلم أن أمه مشركة، ومع ذلك أرسلها إليها، فأسرعت المرأة الحكيمة، وقالت بلباقة:
إن كنت تحبين أن أذهب معك إلى ابنك؟
قالت أم الصديق:
نعم.
فذهبت معها حتى دخلت على أبي بكر الصديق رضي الله عنه، فوجدته صريعًا ملازمًا الفراش في حالة خطيرة بين الحياة، والموت، فقالت فزعة:
والله إن قومًا نالوا هذا منك لأهل فسق وكفر، وإنني لأرجو أن ينتقم الله لك منهم.
أعرض الصديق عن كل هذا، وكان له همًا واحدًا قال:
فما فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم؟
احتارت أم جميل رضي الله عنها، أم الصديق واقفة، وستعرف خبر رسول الله صلى الله عليه وسلم، فهمست إلى الصديق:
هذه أمك تسمع.
قال الصديق مطمئنًا:
فلا شيء عليك منها.
ويبدو أن الصديق كان يرى قربًا من أمه للإسلام، فلم يرى بأسًا من ذلك؛ لأن أمه ما لبثت أن أسلمت، قالت أم جميل رضي الله عنها:
سالم صالح.
قال الصديق رضي الله عنه:
أين هو؟
قالت: في دار الأرقم.
قال الصديق رضي الله عنه في إصرار وعزم:
فإن لله عليّ أن لا أذوق طعامًا، ولا أشرب شرابًا، حتى آتي رسول الله صلى الله عليه وسلم.

Digg this Post!Add Post to del.icio.usBookmark Post in TechnoratiFurl this Post!
رد مع اقتباس

 

 رقم المشاركة : ( 10 )









آلآـؤـركيـدآ has a reputation beyond reputeآلآـؤـركيـدآ has a reputation beyond reputeآلآـؤـركيـدآ has a reputation beyond reputeآلآـؤـركيـدآ has a reputation beyond reputeآلآـؤـركيـدآ has a reputation beyond reputeآلآـؤـركيـدآ has a reputation beyond reputeآلآـؤـركيـدآ has a reputation beyond reputeآلآـؤـركيـدآ has a reputation beyond reputeآلآـؤـركيـدآ has a reputation beyond reputeآلآـؤـركيـدآ has a reputation beyond reputeآلآـؤـركيـدآ has a reputation beyond repute

الأوسمـة
بيانات الإتصال
آخر المواضيع

آلآـؤـركيـدآ غير متواجد حالياً


الالفية الرابعة عشر التواصل 1430 النوايا الحسنة العطاء الوسام الذهبي الاداره 1 

افتراضي رد: بلا عنوان لحين اكتمال الموضوع

بتاريخ : [ 10-19-2009 - 09:05 AM ]

فانتظروا حتى جاء المساء، وهدأت الرجل بمكة، وسكن الناس، وخرجت المرأتان بالصديق رضي الله عنهم، لا يقوى على السير، ولكنه يتكئ عليهما، سارا به، حتى أدخلتاه على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما رآه رسول الله صلى الله عليه وسلم، تألم لما فيه، وأسرع إليه، وأكب عليه يُقَبّله صلى الله عليه وسلم، وأكب عليه المسلمون، ورق له رسول الله صلى الله عليه وسلم رقة شديدة، فأسرع الصديق يُطمئن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:
بأبي أنت وأمي يا رسول الله، ليس بي بأس، إلا ما نال الفاسق من وجهي.
ثم إن الصديق رضي الله عنه، وهو في هذا الموقف لم ينس دعوته، ولم ينس أمه أنها ما زالت مشركة، وها هي ترى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأنوار النبوة على وجهه، فتاقت نفسه إلى إسلامها، قال:
يا رسول الله، هذه أمي برة بولدها، وأنت مبارك، فادعها إلى الله، وادع الله لها، عسى الله أن يستنقذها بك من النار.
فدعا لها رسول الله صلى الله عليه وسلم، ودعاها إلى الله، فأسلمت الحمد لله أسلمت رضي الله عنها، وعن ابنها، وعن زوجها، وعن أحفادها، وعن أولاد أحفادها.
كان هذا طرفًا من جهاد الصديق بمكة وبذله لروحه؛ فداء لرسول الله صلى الله عليه وسلم؛ وفاء لدين الله عز وجل، تعالوا نقلب صفحات من جهاده رضي الله عنه في المدينة المنورة.

ثباته في بدر

لما بلغ النبي صلى الله عليه وسلم نجاة قافلة بني سفيان، وعزم زعماء مكة على قتاله استشار الصحابة في ذلك، الموقف خطير، الصحابة لم يخرجوا من المدينة في الأصل ليقاتلوا جيشًا، بل مجرد قافلة، فلم يكن معهم إلا السيوف، فلم تكن العدة عدة قتال، كما أن هناك أقوام في المدينة كانوا يرغبون في اللقاء، ولكن لم يعلموا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سيقاتل، إذًا من الممكن أن يأتي على ذهن الصحابة، أن لو أجلنا القتال لنقوم به في ظروف أفضل، وعدد أكبر، فرصة ضياع الحياة في هذه المعركة كبيره، والحق أن بعض الصحابة ترددوا، يصورهم ربنا سبحانه وتعالى في كتابه فيقول:
[كَمَا أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ بِالحَقِّ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنَ المُؤْمِنِينَ لَكَارِهُونَ(5)يُجَادِلُونَكَ فِي الحَقِّ بَعْدَمَا تَبَيَّنَ كَأَنَّمَا يُسَاقُونَ إِلَى المَوْتِ وَهُمْ يَنْظُرُونَ]{الأنفال:5،6} .
أين كان الصديق رضي الله عنه في هذا الموقف؟
كان أول الرجال قيامًا، يشجع النبي صلى الله عليه وسلم على القتال، دائمًا يسبق الناس، حتى ولو كان السبق لفقد الحياة، قام الصديق فقال وأحسن، وسُرّ رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقام من بعده الرجال الواحد تلو الآخر، لكن، سبق بها الصديق، ولما تقرر القتال، أراد الرسول صلى الله عليه وسلم أن يقوم بعملية استكشافية، يستكشف فيها مواقع جيش المشركين وعدتهم، قام بالعملية رسول الله صلى الله عليه وسلم بنفسه، ومن معه؟
إنه أبو بكر الصديق الصاحب الأول لرسول الله صلى الله عليه وسلم في كل الأحداث، مهمة خطيرة، ولكن لا أقل من الدنيا في عين الصديق، وتبدأ المعركة، ويلتحم الجيشان، ويتصاعد الغبار، وتسيل الدماء أنهارًا، وتتناثر الأشلاء في كل مكان، يوم الفرقان، فأين كان الصديق رضي الله عنه؟
كان في أخطر المواقع على الإطلاق، كان رضي الله عنه يقف بجوار النبي صلى الله عليه وسلم، ولا شك أنه أخطر موقع على الإطلاق، لأن القوم كانوا حريصين على قتل النبي صلى الله عليه وسلم.

ثباته في أحد

تعالوا نتحدث عن ثباته في أحد مثلًا، ويوم أحد يوم عظيم كانت الجولة في بدايتها للمؤمنين، ثم خالف الرماة، وعصوا فداول الله الأيام، ونقلها إلى قريش، وأصبحت الغلبة للمشركين، وفر من فر، وثبت من ثبت، ولا شك أن الصديق كان من الثابتين رضي الله عنه، قال الله عز وجل:
[وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ حَتَّى إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَازَعْتُمْ فِي الأَمْرِ وَعَصَيْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَا أَرَاكُمْ مَا تُحِبُّونَ مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الآَخِرَةَ ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ وَلَقَدْ عَفَا عَنْكُمْ وَاللهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى المُؤْمِنِينَ] {آل عمران:152} . ولا شك أيضًا أن الصديق كان ممن أراد الآخرة، كان الصديق أول من وصل إلى الرسول صلى الله عليه وسلم، واجتمع معه حول الرسول صلى اله عليه وسلم مجموعة من السابقين الأولين، عمر، وطلحة، وعلي، وأبو عبيدة، والزبير، وغيرهم، ودار قتال شرس ما لانت فيه قناة الصديق، ولا من وقف معه، وتم إنقاذ رسول الله صلى الله عليه وسلم، وانسحبوا في مكان آمن، وفي اليوم التالي لأحد أراد رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يخرج في أثر المشركين حتى لا يظنوا أن المسلمين قد كسرت شوكتهم، فانتدب المسلمين أن يخرجوا إلى مكان يعرف بـ"حمراء الأسد " فقام له رجال، لا شك أن الصديق رضي الله عنه كان منهم، يروي الإمام مسلم أن عائشة بنت الصديق رضي الله عنهما قالت لعروة بن الزبير في قوله تعالى:
[الَّذِينَ اسْتَجَابُوا للهِ وَالرَّسُولِ مِنْ بَعْدِ مَا أَصَابَهُمُ القَرْحُ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا مِنْهُمْ وَاتَّقَوْا أَجْرٌ عَظِيمٌ] {آل عمران:172} .
أي الذين استجابوا في الخروج إلى حمراء الأسد، بعد القرح الذي أصابهم في أحد، قالت السيدة عائشة رضي الله عنها:
يا ابن أختي كان أبواك منهم، الزبير، وأبو بكر (الزبير أبوه وأبو بكر جده، لأنه كان ابن أسماء بنت أبي بكر)، لما أصاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ما أصابه يوم أحد، وانصرف عنه المشركين، خاف أن يرجعوا، قال: من يذهب في أثرهم؟
فانتدب منهم سبعون رجلًا، كان فيهم أبو بكر، والزبير رضي الله عنهم أجمعين، وأرضاهم.
- ثباته في الحديبية: بعد عام واحد من الاجتياح الرهيب للمشركين لأرض المدينة المنورة، وحصار المؤمنين في المدينة في غزوة الخندق، والموقف العصيب الذي مر به المؤمنون، لدرجة وصفها ربنا سبحانه وتعالى بقوله:
[هُنَالِكَ ابْتُلِيَ المُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالًا شَدِيدًا]{الأحزاب:11} .
بعد عام واحد من هذا التهديد المروع، يقرر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يذهب إلى العمرة في مكة بألف وأربعمائةٍ من الصحابة، والآن يذهبون إليهم في عقر دارهم، فلما علمت قريش بقدوم النبي للعمرة جمعت الجيوش، لتصد المؤمنين عن الكعبة، ووصل الخبر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فجمع الناس للشورى نذهب أو لا نذهب؟
قام بطلنا الصديق رضي الله عنه، وقال:
يا رسول الله، خرجت عامدًا لهذا البيت، لا تريد حربًا، ولا قتل أحد، فتوجه له، فمن صدنا عنه قاتلناه.
وتحرك المسلمون إلى مكة، ثم كانت المفاوضات، وانتهى الأمر إلى الصلح، ورسول الله صلى الله عليه وسلم يجلس في المفاوضات أمام المشركين، كان الصديق رضي الله عنه واقفًا وراءه بسيفه، وفي جلسة من جلسات المفاوضات، قال عروة بن مسعود الثقفي مخاطبًا رسول الله صلى الله عليه وسلم، محاولًا أن يلقي الهزيمة النفسية في قلبه، وفي قلوب المؤمنين، قال:
يا محمد أجمعت أوباش الناس، ثم جئت بهم إلى بيضتك لتفضها بهم؟ إنها قريش، خرجت رجالا ونساءً، صغارًا وكبارًا، قد لبسوا جلود النمور (أي لباس الحرب)، يعاهدون الله ألا تدخلها عليهم عنوة، وايم الله، لكأني بهؤلاء قد انكشفوا عنك.
يقصد أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، أي أنهم سيتركونه عند القتال، وهنا لم يعط الصديق لرسول الله صلى الله عليه وسلم الفرصة للرد، بل انطلق في حمية وجرأة عجيبة، يرد على المشرك، فسبه سبة منكرة شنيعة، ثم قال في ثبات واضح له:
أنحن نفر عنه وندعه؟
أنحن نفر عنه وندعه؟
هذا فعلا هو المستحيل، وصدق رضي الله عنه، وصدقوا جميعًا، فقد بايعوا فعلا على الموت، فسبحان الله، أيّ جيل ثابت كان هذا الجيل العظيم؟

ثباته في حنين

ونقفز أعوامًا أخرى لنصل إلى يوم حنين، لا شك أن الصديق رضي الله عنه كانت له مواقف مشهودة في كل مشاهد صلى الله عليه وسلم، لكني آثرت التعليق على حنين، حيث فر كثير من المسلمين، وحيث كانت الفتنة عظيمة، فيظهر ثبات الصديق بجلاء، ووضوح، فر المسلمون في حنين، وتركوا الرسول صلى الله عليه وسلم تجابهه جموع غفيرة من هوازن، والوقوف مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في مقابل هذه الآلاف المؤلفة لا يعني إلا شيئًا واحدًا، الموت، لكن:
تَهُونُ الْحَيَاةُ وَكُلٌّ يَهُونُ وَلَكِنَّ إِسْلَامَنَا لَا يَهُونْ
نُضَحِّي لَهُ بِالْعَزِيزِ الْكَرِيمِ وَمِنْ أَجْلِهِ نَسْتَحِبُّ الْمَنُونْ
نعم، كان الصديق رضي الله عنه يستحب المنون، يستحب الموت ما دام في سبيل الله عز وجل، أكاد أراه رضي الله عنه، وهو يصول ويجول تحت فتنة السيوف، وكأنه لا يراها، لا يرى إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقط، يقاتل عن يمينه تارة، وعن يساره تارة أخرى، وأمواج البشر المشركة تتكسر على صخرته رضي الله عنه وأرضاه، فكان الثبات ثم الثبات
[ثُمَّ أَنْزَلَ اللهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى المُؤْمِنِينَ وَأَنْزَلَ جُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا وَعَذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَذَلِكَ جَزَاءُ الكَافِرِينَ] {التوبة:26} .
الصديق كان ثابتًا في كل مشاهده مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان أيضـًا ثابتًا أثناء خلافته في معاركه.

فتنة ترك الديار والأوطان

وترك الوطن فتنة عظيمة فكم من الذكريات، وكم من الأهل، وكم من الأصحاب، وكم من الأحباب، ترك الوطن فتنة عظيمة، ولا سيما لو كان الرجل صاحب مكانة، وكثير المال، كالصديق رضي الله عنه، فالصديق تاجر، أوضاعه مستقرة، وتجارته رابحة، وها هو يترك الاستقرار، والراحة، وينطلق مهاجرًا إلى أرض مجهولة، وأقوام غريبة، ثم أي البلاد يترك، يترك مكة المكرمة، زادها الله تكريمًا وتعظيمًا وتشريفًا، يترك البلد الحرام، يترك البيت الحرام، يترك أشرف بقعة في الأرض، روى الترمذي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم وقف عند خروجه من مكة مهاجرًا إلى المدينة يقول:
وَاللَّهِ إِنَّكِ لَخَيْرُ أَرْضِ اللَّهِ، وَأَحَبُّ أَرْضِ اللَّهِ إِلَى اللَّهِ، وَلَوْلَا أَنِّي أُخْرِجْتُ مِنْكِ مَا خَرَجْتُ.
الصديق مع عظم تجارته، واستقراره، هاجر مرتين من هذه البقعة المشرفة إلى غيرها من بقاع الأرض، الهجرة الأولى كانت إلى الحبشة، وتحدثنا عنها في موقف سابق وذكرنا فيها أن ابن الدغنة سيد قبيلة القارة أجاره، وأعاده إلى مكة، وكان الصديق في هذه الهجرة متجهًا إلى بلاد بعيدة عبر الصحراء والبحار، إلى قوم لا يتكلمون العربية، وإلى بلد لم يألف العادات المكية، لكن الصديق هاجر، ولسان حاله يقول كما قال النبي إبراهيم عليه الصلاة والسلام، والذي جعله رسول الله صلى الله عليه وسلم مثلًا يحتذي به الصديق رضي الله عنه قال:
[وَقَالَ إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَى رَبِّي سَيَهْدِينِ] {الصَّفات:99}.
والهجرة الثانية كانت إلى يثرب، والتي سميت بعد ذلك بالمدينة المنورة لما نورها رسول الله صلى الله عليه وسلم بالهجرة إليها، وقد ذكرت سابقًا فقرات من هذه الهجرة المباركة، وفيها برز الدور العظيم للصديق سواء في الإعداد قبل الهجرة، أو أثناء الهجرة، وسواء في المساعدة المادية، أو المعنوية، وسواء في التضحية بالنفس، أو بالمال، أو بالجهد، أو بالوقت، كان الصديق رضي الله عنه في الهجرة ثاني اثنين، وهذا يكفيه، يكفيه أن يكون ثانيًا بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم، إذن الديار، والأوطان، والأملاك، والأعمال ما وقفت أبدًا مهما تعاظمت أمام إيمان الصديق رضي الله عنه، وكانت على ثقلها فتنة عارضة ثبت فيها الصديق ثباته المعهود.

ثباته أمام غلبة أهل الباطل

كثير من المسلمين ينظرون نظرة إحباط، ويأس إلى واقعهم، عندما يشاهدون محاور القوة الرئيسية في الأرض في أيدي الكافرين، عندما يجدون أن الكفار قد ملكوا من المادة والسلاح والعدد، والعدة ما يفوق المسلمين أضعافًا مضاعفة، فتنة تحتاج إلى كثير إيمان، وكثير فقه، وكثير ثبات، وقد كان الصديق رضي الله عنه المؤمن الفقيه الثابت الذي مَنّ الله به على أمة المسلمين، فحفظها خير الحفظ، ونصح لها خير النصح، وجهد لها خير الجهد.

فتنة غلبة أهل الردة بعد وفاة الرسول صلى الله عليه

فتنة عظيمة هائلة مروعة، لا نستطيع في هذا المضمار الضيق أن نوفيها حقها، لكن نشير فقط إلى ثبات الصديق رضي الله عنه، هذا الثبات الذي فاق كل تخيل، حتى فاق تخيل الصحابة أنفسهم، والفتنة كانت هائلة، ارتدت جزيرة العرب بكاملها إلا ثلاث مدن وقرية: مكة، والمدينة، والطائف، وقرية جواثا في منطقة هجر بالبحرين، لا أقول عشرات الآلاف من المرتدين، بل مئات الآلاف، وليس فقط بمنع الزكاة، بل منهم من ارتد كلية عن الإسلام، ومنهم من فتن المسلمين في دينهم وعذبهم وقتلهم، ومنهم من ادعى النبوة،
غلبة عظيمة لأهل الردة، وقلة في المؤمنين، في هذا الموقف الحرج رأى جمهور الصحابة أن اعتزال الفتنة بتركها هو الأولى، قالوا للصديق رضي الله عنه:
الزم بيتك، وأغلق عليك بابك، واعبد ربك حتى يأتيك اليقين.
يأس كامل في الإصلاح، وإحباط يملأ القلوب، موقف من أصعب مواقف التاريخ قاطبة، لكن الصديق رضي الله عنه كان أعلم الصحابة، وأفقه الصحابة، وأثبت الصحابة، تحول الشيخ الكبير الرحيم المتواضع ضعيف البنية إلى أسد هصور، عظيم الثورة، شديد البأس، عالي الهمة، سريع النهضة، أصر على قتال المرتدين جميعًا وفي وقت متزامن، قال في شأن مانعي الزكاة:
والله لأقاتلن من فرق بين الصلاة والزكاة، فإن الزكاة حق المال، والله لو منعوني عناقا (الأنثى من ولد الماعز) وفي رواية عقالًا (وهو الحبل الذي يربط به البعير) كانوا يؤدونها إلى رسول الله لقاتلتهم على منعها.
وقال في شأن بقية المرتدين، والذين يبلغون مئات الآلاف:
أقاتلهم وحدي حتى تنفرد سالفتي.
أي تقتطع عنقي، بهذه العزيمة، وهذه العقيدة، لما رأى الصحابة هذا الإصرار من الصديق رضي الله عنه انشرحت صدورهم لهذا الحق الذي أجراه الله على لسان هذا الرجل، يقول عمر كما جاء في صحيح البخاري:
فوالله ما هو إلا أن قد شرح الله صدر أبي بكر، فعرفت أنه الحق.
وهكذا أخرج الصديق رضي الله عنه الجيوش تلو الجيوش، أحد عشر جيشًا في ملحمة خالدة، تضحيات عظيمة، تعب وجهد، ودم وشهادة، ثم نصر وتمكين وسيادة، وأشرقت الأرض من جديد بنور ربها، وحكمت الجزيرة العربية مرة ثانية بالقرآن، وأعز الله الإسلام وأهله، وأذل الله الشرك وأهله، كل هذا في عام واحد، عام واحد فقط، والحمد لله رب العالمين

فتنة غلبة أهل فارس والروم

وفارس والروم في ذلك الزمان هما أعظم قوتين عسكريتين في الأرض، يقتسمان العالم، ويهيمنان على معظم مساحة المعمورة، دول متقدمة صاحبة حضارة، ومال، وعمران، وجنات وأنهار، وأعداد لا تحصى من الرجال، وسلاح لا مثيل له في زمانهم، وأعوان في كل بقاع الأرض، وتاريخ في الحروب، وتنظيماتها، وخططها، وطرقها، الصديق رضي الله عنه في الطرف الآخر يحكم دولة أقصى مساحتها جزيرة العرب، لم تتعود على الحروب النظامية، فقيرة الموارد، ضعيفة السلاح قليلة العدد، ليس هذا فقط، ولكنها لم تنفض يدها بعد من حروب أهلية طاحنة أكلت الأخضر واليابس، تلك هي حروب الردة، يخرج الصديق من هذه الحروب الهائلة بعزيمة أقوى من الجبال، ولا تهزه عروش كسرى وقيصر، ويأخذ قرارًا عجيبًا، وهو فتح فارس، وذلك بعد أقل من شهر على انتهاء حروب الردة، ثم يتبعه بقرار آخر أعجب بعد خمسة شهور، وهو فتح الشام، وقتال الروم في وقت متزامن مع قتال الفرس، وكما فصلنا من قبل، فالصديق كان على يقين من النصر، ولم يكن يساوره أدنى شك في أن الدولة الأخيرة ستكون للمؤمنين، وخاض معاركه بهذه الروح، وكتب الله له النصر بعد جهاد طويل، ومعارك هائلة، وضع فيها الصديق رضي الله عنه خططًا عبقرية، وقال فيها أراءً سديدة وفعل فيها أعمالًا مجيدة.

الثبات على فتنة الطاعة وعبادته

وقد يظن ظان أن هذا الأمر بسيط، وهين إلى جوار غيره من الفتن التي تعرضنا لذكرها آنفًا، فتن المال، والرئاسة، والأولاد، والإيذاء، وضياع النفس، وترك الديار، وغلبة أهل الباطل، قد يظن ظان أن من ثبت في هذه الأمور الشديدة سيثبت حتمًا في أمر الطاعة، والعبادة، فهي أمور في يد كل مسلم، يستطيع أن يصلي ويصوم ويزكي، بديهيات عند كثير من الناس، لكن هذه لمن أعظم الفتن، قد يسهل على الإنسان أن يفعل شيئًا عظيمًا مرة واحدة أو مرتين أو ثلاث في حياته، لكن أن يداوم على أفعال العبادة كل يوم كل يوم، بلا كلل ولا ملل ولا كسل، فإن هذا يحتاج إلى قلب عظيم، وإيمان كبير، وعقل متيقظ ومنتبه، لا يقوى على ذلك إلا القليل من الرجال، وقد كان الصديق رضي الله عنه سيد هذا القليل بعد الأنبياء، أخرج البخاري ومسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه قال:
سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:
مَنْ أَنْفَقَ زَوْجَيْنِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ نُودِيَ فِي الْجَنَّةِ يَا عَبْدَ اللَّهِ، هَذَا خَيْرٌ، فَمَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الصَّلَاةِ دُعِيَ مِنْ بَابِ الصَّلَاةِ، وَمَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الْجِهَادِ دُعِيَ مِنْ بَابِ الْجِهَادِ، وَمَنْ كَانَ مَنْ أَهْلِ الصَّدَقَةِ دُعِيَ مِنْ بَابَ الصَّدَقَةِ، وَمَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الصَّيَامِ دُعِيَ مِنْ بَابِ الرَّيَانِ.
فبعض الناس يكون مكثر في الصلاة، فيدخل من باب الصلاة، وهكذا.
قال أبو بكر رضي الله عنه:
مـا على أحد يدعى من تلك الأبواب من ضرورة، فهل يدعى أحد من تلك الأبواب كلها؟
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
نَعَمْ، وَأَرْجُو اللَّهَ أَنْ تَكُونَ مِنْهُمْ.
ذلك أن الصديق رضي الله عنه كان مكثرًا، وبصفة مستديمة من كل أعمال الخير، ومر بنا من قبل كيف أنه أصبح صائمًا ومتبعًا لجنازة وعائدًا لمريض ومتصدقًا على مسكين؟ هكذا حياته كلها لا قعود، ولا فتور، كان رضي الله عنه يتحرج جدًا من فوات فضيلة أو نافلة، روى أحمد، وأبو داود، والحاكم في صحيحه عن جابر رضي الله عنه أنه قال:
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأبي بكر:
مَتَى تُوتِرُ؟
قال: أول الليل بعد العتمة.
أي بعد صلاة العشاء، قال:
فَأَنْتَ يَا عُمَرُ؟
قال:آخر الليل.
قال: أَمَا أَنْتَ يَا أَبَا بَكْرٍ فَأَخَذْتَ بِالثِّقَةِ.
أي بالحزم، والحيطة مخافة أن يفوت الوتر.
وَأَمَا أَنْتَ يَا عُمَرُ فَأَخَذْتَ بِالْقُوَّةِ.
أي بالعزيمة على الاستيقاظ قبل طلوع الفجر؛ لصلاة قيام الليل، ثم الوتر. فالصديق رضي الله عنه لا يتخيل أن يفوته الوتر، ماذا يحدث لو استيقظ على صلاة الفجر دون أن يصلي الوتر؟
في حقه تكون كارثة، لذلك يأخذ نفسه بالحزم يصليه أول الليل، ثم إذا شاء الله له أن يستيقظ، ويصلي قيام الليل صلى، ولا يعيد الوتر، بينما عمر بن الخطاب رضي الله عنه كان يأخذ بالعزيمة، فهو يعلم علم اليقين أنه سيستيقظ الفجر ليصلي، منهجان مختلفان، ولكنهما من أروع مناهج الصحابة رضي الله عنهم أجمعين، ومع حرصه، وطاعته، ومثابرته، وثباته على أمر الدين كان شديد التواضع، لا ينظر إلى عمله، بل كان دائم الاستقلال له، كان يقول:
والله، لوددت أني كنت هذه الشجرة تؤكل وتعضد.
وروى الحاكم عن معاذ بن جبل رضي الله عنه قال:
دخل أبو بكر حائطًا (حديقة) وإذا بطائر في ظل شجرة، فتنفس أبو بكر الصعداء، ثم قال:
طوبى لك يا طير، تأكل من الشجر، وتستظل بالشجر، وتصير إلى غير حساب، يا ليت أبا بكر مثلك.
وكان يقول إذا مُدح:
اللهم أنت أعلم بي من نفسي، وأنا أعلم بنفسي منهم، اللهم اجعلني خيرًا مما يظنون، واغفر لي ما لا يعلمون، ولا تؤاخذني بما يقولون.
رضي الله عن الصديق، وعن صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم أجمعين.


Digg this Post!Add Post to del.icio.usBookmark Post in TechnoratiFurl this Post!
رد مع اقتباس

 

 رقم المشاركة : ( 11 )









آلآـؤـركيـدآ has a reputation beyond reputeآلآـؤـركيـدآ has a reputation beyond reputeآلآـؤـركيـدآ has a reputation beyond reputeآلآـؤـركيـدآ has a reputation beyond reputeآلآـؤـركيـدآ has a reputation beyond reputeآلآـؤـركيـدآ has a reputation beyond reputeآلآـؤـركيـدآ has a reputation beyond reputeآلآـؤـركيـدآ has a reputation beyond reputeآلآـؤـركيـدآ has a reputation beyond reputeآلآـؤـركيـدآ has a reputation beyond reputeآلآـؤـركيـدآ has a reputation beyond repute

الأوسمـة
بيانات الإتصال
آخر المواضيع

آلآـؤـركيـدآ غير متواجد حالياً


الالفية الرابعة عشر التواصل 1430 النوايا الحسنة العطاء الوسام الذهبي الاداره 1 

افتراضي رد: بلا عنوان لحين اكتمال الموضوع

بتاريخ : [ 10-19-2009 - 09:06 AM ]

ثباته أمام فتنة الموت

والموت فتنة عظيمة، والفراق ألمه شديد، وكم من البشر يسقطون في هذه الفتنة، إلا أن الصديق رضي الله عنه، كان كما عودنا رابط الجأش، مطمئن القلب، ثابت القدم أمام كل العوارض التي مرت به في حياته:
- مر بنا موقفه من وفاة ابنه عبد الله بن أبي بكر رضي الله عنهما شهيدًا، وكيف تلقى الأمر بصبر عظيم، وبرضا واسع.
- وماتت أيضًا زوجته الحبيبة القريبة إلى قلبه أم رومان رضي الله عنها، والدة السيدة عائشة رضي الله عنها، وعبد الرحمن بن أبي بكر رضي الله عنه، ماتت في السنة السادسة من الهجرة في المدينة، بعد رحلة طويلة مع الصديق في طريق الإيمان، أسلمت قديمًا وعاصرت كل مواقف الشدة والتعب، والإنفاق، والإجهاد، والهجرة، والنصرة، والجهاد، والنزال، كانت خير المعين لزوجها الصديق رضي الله عنه، ثم ماتت، وفارقت، وفراق الأحبة أليم، لكن صبر الصديق رضي الله عنه وأرضاه صبرًا جميلًا، وحمد واسترجع.
- ومات كثير من أصحابه وأحبابه ومقربيه، مات حمزة بن عبد المطلب، ومات مصعب بن عمير، ومات أسعد بن زرارة، ومات سعد بن معاذ، ومات جعفر بن أبي طالب، ومات زيد بن حارثة، وغيرهم كثير رضي الله عنهم أجمعين، ماتوا وسبقوا إلى جنة عرضها السماوات والأرض فانتظر الصديق رضي الله عنه صابرًا غير مبدل:
[مِنَ المُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا] {الأحزاب:23} .
- وجاءت فتنة كبيرة، فتنة موته هو شخصيًا رضي الله عنه وأرضاه، ونام على فراش لا بد من النوم عليه، نام على فراش الموت، فماذا فعل وهو في لحظاته الأخيرة؟
ماذا فعل وهو يعلم أنه سيغادر الدنيا وما فيها؟
ماذا فعل وهو سيترك الأهل والأحباب والأصحاب؟
هل جزع أو اهتز؟
حاشا لله، إنه الصديق رضي الله عنها وأرضاه، ها هو على فراش الموت يوصي عمر بن الخطاب رضي الله عنه في ثبات، وثقة، واطمئنان:
اتق الله يا عمر، واعلم أن لله عملًا بالنهار لا يقبله بالليل، وعملًا بالليل لا يقبله بالنهار.
يحذره من التسويف، وتأجيل الأعمال الصالحة، ويحفزه على السبق الذي كان سمتًا دائمًا للصديق في حياته.
وأنه لا يقبل نافلة حتى تؤدي فريضة، وإنما ثقلت موازين من ثقلت موازينه يوم القيامة، باتباعهم الحق في دار الدنيا، وثقله عليهم، وحق لميزان يوضع فيه الحق غدًا أن يكون ثقيلًا، وإنما خفت موازين من خفت موازينه يوم القيامة، باتباعهم الباطل في دار الدنيا وخفته عليهم، وحق لميزان يوضع فيه الباطل غدًا أن يكون خفيفًا، وإن الله تعالى ذكر أهل الجنة بأحسن أعمالهم وتجاوز عن سيئه، فإذا ذكرتهم قلتَ: إني أخاف ألا ألحق بهم.
وإن الله تعالى ذكر أهل النار بأسوأ أعمالهم، ورد عليهم أحسنه، فإذا ذكرتهم قلتَ: إني لأرجو أن لا أكون مع هؤلاء.
ليكون العبد راغبًا راهبًا لا يتمنى على الله، ولا يقنط من رحمة الله، فإن أنت حفظت وصيتي فلا يك غائب أحب إليك من الموت ولست تعجزه.
انظر إلى صدق الوصية، وحرص الصديق أن يصل إلى بكل المعاني التي كانت في قلبه إلى عمر بن الخطاب الخليفة الذي سيتبعه في خلافة هذه الأمة
ثم انظر إلى هذا الموقف العجيب، وهو ما يزال على فراش الموت، استقبل المثنى بن حارثة رضي الله عنه قائد جيوش المسلمين آنذاك في العراق، وكان قد جاءه يطلب المدد لحرب الفرس، فإذا بالصديق الثابت رضي الله عنه لا تلهيه مصيبة موته، ولا تصده آلام المرض، وإذا بعقله ما زال واعيًا متنبهًا، وإذا بقلبه ما زال مؤمنًا نقيًا، وإذا بعزيمته، وبأسه وشجاعته كأحسن ما تكون، أسرع يطلب عمر بن الخطاب الخليفة الجديد، يأمره وينصحه ويعلمه، قال:
اسمع يا عمر ما أقول لك، ثم اعمل به، إني لأرجو أن أموت من يومي هذا، فإن أنا مت فلا تمسين حتى تندب الناس مع المثنى، ولا تشغلنكم مصيبة، وإن عظمت عن أمر دينكم، ووصية ربكم، وقد رأيتني مُتَوَفّى رسول الله وما صنعت، ولم يُصَب الخلق بمثله، وإن فتح الله على أمراء الشام، فاردد أصحاب خالد إلى العراق (سيدنا خالد بن الوليد كان قد انتقل بجيشه من العراق إلى الشام)، فإنهم أهله وولاة أمره وحده، وهم أهل الضراوة بهم والجراءة عليهم.
أرأيت عبد الله كيف يكون الصديق رضي الله عنه وهو في هذه اللحظات الأخيرة؟
لم ينس الجهاد، ولم يشغل عن استنفار المسلمين، أرأيت كيف أنه وحتى اللحظة الأخيرة في حياته ما زال يعلم ويربي ويوجه وينصح؟
هذا هو الصديق الذي عرفناه.
ودخلت عليه ابنته أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها، وهو في آخر اللحظات، ونفسه تحشرج في صدره، فآلمها ذلك، فتمثلت هذا البيت من الشعر:
لَعَمْرُكَ مَا يُغْنِي الثَّرَاءُ عَنِ الْفَتَى إِذَا حَشْرَجَتْ يَوْمًا وَضَاقَ بِهَا الصَّدْرُ
أي لا يغني المال عن الإنسان إذا جاء لحظة الوفاة، فخشي الصديق رضي الله عنه أن تكون قالت ما قالت ضجرًا، أو اعتراضًا، فتقول عائشة رضي الله عنها، فنظر إلى كالغضبان، ثم قال في لطف:
ليس كذلك يا أم المؤمنين، ولكن قول الله أصدق:
[وَجَاءَتْ سَكْرَةُ المَوْتِ بِالحَقِّ ذَلِكَ مَا كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ] {ق:19} .
هكذا ما زال يربي ويعلم، ثم جاءوا لهم بأثواب جديدة كي يكفن فيها فردها، وأمر أن يكفن في أثواب قديمة له بعد أن تعطر بالزعفران، وقال:
إن الحي أحوج إلى الجديد ليصون به نفسه، إنما يصير الميت إلى الصديد وإلى البلى.
هكذا بهذا الثبات العظيم، وأوصى أن تغسله زوجته أسماء بنت عميس رضي الله عنها، وأن يدفن بجوار رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان آخر ما تكلم به الصديق في هذه الدنيا قول الله تعالى:
[تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ] {يوسف:101} .
- غير أنه مع كل ما سبق من فتن عرضت للصديق في حياته إلى لحظة موته، فإن كل هذه الفتن تهون، وتضعف، وتتضاءل أمام الفتنة العظمى، والبلية الكبرى، والمصيبة القصوى التي لحقت به وبالمسلمين، لما مات ثمرة فؤاد الصديق، وخير البشر، وسيد الأنبياء والمرسلين، وحبيب الله، لما مات النور المبين الذي أضاء الأرض بنبوته، وعلمه، وخلقه، ورحمته، لما مات رسول الله محمد صلى الله عليه وسلم.
أعظم فتنة مرت بالصديق رضي الله عنه، وأعظم فتنة مرت بالصحابة رضوان الله عليهم أجمعين، وكان من فضل الله على الصديق رضي الله عنه أنه مَنّ عليه بثبات يوازي المصيبة، وبوضوح رؤية يقابل الفتنة، وبنفاذ بصيرة يكشف البلوى، وينير الطريق للصديق ولمن معه من المسلمين.
وفي موضوع ثبات الصديق رضي الله عنه يقول علي بن أبي طالب رضي الله عنه عن الصديق رضي الله عنه جملة قصيرة لكن عظيمة المعاني قال: كان الصديق رضي الله عنه كالجبل، لا تحركه القواصف، ولا تُزيله العواصف.
رضي الله عن الصديق وعن الصحابة أجمعين.

Digg this Post!Add Post to del.icio.usBookmark Post in TechnoratiFurl this Post!
رد مع اقتباس

 

 رقم المشاركة : ( 12 )









آلآـؤـركيـدآ has a reputation beyond reputeآلآـؤـركيـدآ has a reputation beyond reputeآلآـؤـركيـدآ has a reputation beyond reputeآلآـؤـركيـدآ has a reputation beyond reputeآلآـؤـركيـدآ has a reputation beyond reputeآلآـؤـركيـدآ has a reputation beyond reputeآلآـؤـركيـدآ has a reputation beyond reputeآلآـؤـركيـدآ has a reputation beyond reputeآلآـؤـركيـدآ has a reputation beyond reputeآلآـؤـركيـدآ has a reputation beyond reputeآلآـؤـركيـدآ has a reputation beyond repute

الأوسمـة
بيانات الإتصال
آخر المواضيع

آلآـؤـركيـدآ غير متواجد حالياً


الالفية الرابعة عشر التواصل 1430 النوايا الحسنة العطاء الوسام الذهبي الاداره 1 

افتراضي رد: بلا عنوان لحين اكتمال الموضوع

بتاريخ : [ 10-19-2009 - 09:18 AM ]

استخلاف الصديق


استقر الصحابة في حوارهم كما ذكرنا على أن الخلافة ستكون في قريش، وهذه خطوة عظيمة للوصول إلى الخليفة، لكن ما زال هناك خطوات وخطوات، فقريش قبيلة عريقة بالبطون الشريفة، ففي أي بطن ستكون الخلافة، ثم إن المهاجرين بالآلاف، والرجال الذين يستطيعون إدارة الأمة أكثر مما يتخيل الإنسان، فكل رجل من المهاجرين أمة، مَن مِن هؤلاء سيتولى هذه الخلافة، وقد نتخيل أن الأمر شاق، وعسير، ولكن فلننظر ماذا حدث؟

عمر يبايع أبا بكر رضي الله عنهما

قال الصديق رضي الله عنه لعمر بن الخطاب رضي الله عنه:
ابسط يدك نبايع لك.
فقال عمر: أنت أفضل مني.
قال أبو بكر: أنت أقوى مني.
قال عمر: فإن قوتي لك مع فضلك.
أي مجتمع هذا الذي ينفر فيه كل رجل من الإمارة؟
ونحن نرى اليوم بعض الإخوة الملتزمين، ويفترض أنهم مدركين للدين جيدًا، ولكنهم يختلفون على إمامة مسجد، أو إمامة في صلاة، فماذا سيكون حالهم لو كانت إمامة أمة؟!
تقدم أبو عبيدة بن الجراح الأمين رضي الله عنه وقال:
لا ينبغي لأحد بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يكون فوقك يا أبا بكر، أنت صاحب الغار مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، وثاني اثنين، وأمّرك رسول الله صلى الله عليه وسلم حيث اشتكى فصليت بالناس، فأنت أحق الناس بهذا الأمر؟
وروى النسائي والحاكم أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال للناس:
ألستم تعلمون أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قدّم أبا بكر للصلاة؟
قالوا: بلى.
قال: فأيكم تطيب نفسه أن يتقدم مَن قدّمه رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قالوا: لا أحد، معاذ الله أن نتقدم على أبي بكر.
هنا وثب عمر بن الخطاب رضي الله عنه الفاروق، فأخذ بيد أبي بكر الصديق في حسم واضح للمشكلة، وبايع الصديق على الخلافة، وطلب البيعة له من الحضور فماذا حدث؟

والأنصار يبايعون أيضًا

قام أسيد بن حضير، وبشير بن سعد رضي الله عنهما يستبقان للبيعة، ووثب أهل السقيفة للبيعة، بايع الحباب بن المنذر رضي الله عنه، وبايع ثابت بن قيس رضي الله عنه، وبايع زيد بن ثابت رضي الله عنه، وبايع كل الأنصار في السقيفة.
إلا سعد بن عبادة رضي الله عنه، وحتى لا يذهب الذهن بعيدًا، فإن سعد بن عبادة رضي الله عنه بايع بعد أيام قلائل من يوم السقيفة، وما منعه من البيعة في اليوم الأول إلا حراجة موقفه، فقد كان مبايعًا للخلافة قبل مبايعة أبي بكر بوقت قصير، كما أنه لا يستطيع حراكًا لمرضه، ويحسب له أن أخذ الموضوع في هدوء يحسد عليه، ولم يتكلم بكلمة، ولم يظهر منه في خلافة الصديق رضي الله عنه أي اعتراض على إمارة الصديق، بل إنه خرج بإذنه إلى الشام مجاهدًا حيث استشهد هناك.
وهكذا في يوم السقيفة تمت البيعة لأبي بكر الصديق رضي الله عنه بإجماع قلما يتكرر في التاريخ، وبآداب من المستحيل أن توجد في أمة غير أمة الإسلام، هذا تاريخكم، تطلعوا حولكم، وشاهدوا في كل بلاد العالم، كيف يكون الصراع على السلطة؟
آخر ما سمعت هو نصف مليون قتيل في صراعات على السلطة في أنجولا، وها نحن نرى ما يحدث في معظم بلاد العالم اليوم، ثم انظر ما يحدث أيضًا في البلاد التي يطلقون بلادًا حضارية متقدمة، أليست البرامج الانتخابية تشمل في الأساس محورين رئيسين:
المحور الأول: شكر في الذات، واستعراض للقدرات.
والمحور الثاني: محاولة التعريض، والسب، والقذف، والفضيحة بالنسبة للطرف الآخر.
ألا يبحث كل مرشح عن عيوب غيره؛ ليبرزها للناس فيسجل بها نقاطًا لصالحه؟
ألا تسمعون عن تزييف، وتزوير، ومكيدة؟
ألا تسمعون عن قهر، وتعذيب، وظلم، وبهتان؟
قارن بين ما رأيت في سقيفة بني ساعدة، وما ترى في أي سقيفة في العالم اليوم، وستدرك لا محالة عظمة هذا الدين ورقي هذا التشريع.
لاحظنا في هذه البيعة أنه لم يحضرها أحد من المهاجرين إلا الثلاثة الذين ذكرناهم كما لم يحضرها عامة الأنصار، بل حضرها رءوس القوم، ولذلك ففي اليوم التالي ذهب أبو بكر الصديق رضي الله عنه إلى مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم ودعا عامة الناس، وخاصتهم من الذين لم يبايعوا بعد، حتى يبايعوا الصديق مبايعة عامة، ولم يتخلف عن هذا اللقاء إلا الذين كانوا مشغولين بتجهيز رسول الله صلى الله عليه وسلم للدفن، وهم أهل بيته:
علي بن طالب ابن عمه وزوج ابنته فاطمة،
والعباس بن عبد المطلب عم الرسول صلى الله عليه وسلم،
والزبير بن العوام ابن عمة رسول صلى الله عليه وسلم السيدة صفية بنت عبد المطلب رضي الله عنها.

الجميع يبايع الصديق رضي الله عنه

في اليوم الثاني صعد أبو بكر المنبر، ووقف عمر بن الخطاب يكلم الناس قبل أبي بكر، ويقدمه إليهم، فقال بعد أن حمد الله وأثنى عليه:
أيها الناس قد كنت قلت لكم بالأمس مقالة، ما كانت إلا عن رأيي.
يقصد مقالة أن رسول الله ما مات، ولكن ذهب للقاء ربه كما ذهب موسى، وجميل جدًا أن يعترف الإنسان بأخطائه أمام الناس، وهذا من عظمة الصحابة.
ثم يكمل: وما وجدتها في كتاب الله عز وجل، ولا كانت عهدًا عهده إليّ رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولكني كنت أرى رسول الله صلى اله عليه وسلم سيدبر أمرنا حتى يكون آخرنا.
أي أنه كان يعتقد أن الرسول صلى الله عليه وسلم سيكون آخر من يموت في هذا الجيل، ولكن الله عز وجل شاء أن يموت، حتى يدير هؤلاء الأخيار الأمور بدون رسول، فيكونون نبراسًا لمن بعدهم، وهو اعتذار لطيف عما بدر منه أمس، فعمر قدوة وقد يتأثر به الناس.
ثم قال عمر رضي الله عنه:
وإن الله قد أبقى معكم كتاب الله الذي به هدى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإن اعتصمتم به هداكم لما كان هداه له، وإن الله قد جمع أمركم على خيركم، صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وثاني اثنين إذ هما في الغار، وأولى الناس بأموركم، فقوموا فبايعوه.
فقام الناس جميعًا من المهاجرين، والأنصار وبايعوا أبا بكر الصديق رضي الله عنه على الخلافة، في إجماع عجيب، ثم قام الصديق رضي الله عنه، وخطب خطبته المشهورة الرائعة، ثم بعد الانتهاء من دفن رسول الله صلى الله عليه وسلم، جاء الزبير بن العوام رضي الله عنه، وبايع أبا بكر الصديق، ثم جاء علي بن أبي طالب رضي الله عنه، كما روى ابن سعد، والحاكم والبيهقي، وبايع في هذا اليوم الثاني، وهذا هام جدًا؛ لأن كثير من الناس، وخاصة الشيعة يطعنون في بيعة علي للصديق رضي الله عنه، ويصرون على أنها تأخرت ستة شهور كاملة بعد وفاة السيدة فاطمة رضي الله عنها، وسنأتي إن شاء الله إلى تحليل موقف علي بالتفصيل فيما بعد، ثم بعد أيام قليلة جاء سعد بن عبادة رضي الله عنه وبايع الصديق على الخلافة.
إذن اجتمعت المدينة بأسرها على خلافة الصديق رضي الله عنه، واستقرت الأوضاع، واجتمع الناس على قلب رجل واحد، كل هذا والمسلمون مصابون بمصيبة هي الأعظم في تاريخهم، مصيبة موت رسول الله صلى الله عليه وسلم، لكن هذا المصاب ما عطل شرعًا، ولا أذهب عقلًا، ولا أوقف حياة، لا بد للحياة أن تسير، وعلى الوجه الذي أراده الله عز وجل، ورسوله صلى الله عليه وسلم.

بعض ما أثير من شبهات بشأن بيعة الصديق رضي الله عنه

رواية الطبري بشأن سعد بن عبادة
جاءت رواية عجيبة في الطبري، أعجب بها المستشرقون أيما العجب، وأظهروها في تأريخهم للحدث، ورددها وراءهم عدد من المعجبين بهم، والحق أن الطبري رحمه الله، مع أنه كان عالمًا جليلًا، وإمامًا عظيمًا، ما كان ينظر كثيرًا في إسناد الروايات التي يذكرها في كتابه، وقد اعترف هو بنفسه بذلك في مقدمة كتابه المشهور (تاريخ الأمم والملوك)، وقال إن همه كان الجمع، وليس التحقيق، وإن على علماء الرجال، والحديث، والرواية أن يبحثوا في صحة ما جاء في كتابه.
جاءت في الطبري رواية تقول:
إن سعد بن عبادة رضي الله عنه قال بعد مبايعة الصديق رضي الله عنه:
لا أبايعكم حتى أرميكم بما في كنانتي، وأخضب سنان رمحي، وأضرب بسيفي.
فكان- كما تقول الرواية- لا يصلي بصلاتهم، ولا يجمع بجمعتهم، ولا يقضي بقضائهم، ولا يفيض بإفاضتهم. أي في الحج.
هذه الرواية الباطلة إذا بحثت في أسانيدها ذهب عنك العجب، ففي إسنادها لوط بن يحيى، وهو شيعي صاحب هوى معروف، كثير الكذب، متروك، قال عنه الذهبي رحمه الله:
إخباري تالف، لا يوثق به، ولم ينقل عنه إلا الشيعة، ولا يؤخذ بقوله البتة، وبالذات في القضايا الخلافية، وفي أمور الفتن.
فالرواية سندًا لا تصح بالمرة، كما أنها متنًا لا تصح أيضًا، فمن المستحيل أن ينسب مثل هذا الكلام إلى سعد بن عبادة رضي الله عنه الصحابي الجليل الذي في رقبته بيعة العقبة الثانية على السمع والطاعة، ومن المستحيل أن يقول مثل هذا الكلام، ولا يخاطبه فيه الصحابة، ولا يخاطب فيه أبو بكر الصديق رضي الله عنه، فهو كلام في غاية الخطورة، وسعد بن عبادة رضي الله عنه ليس رجلًا عاديًا، بل سيد الأنصار، ولو قال مثل هذا الكلام لأحدث فتنة لا محالة في المدينة، ولو كان هذا الموقف حقيقيًا، لذكرته كتب السيرة الموثقة، ولكنه لم يرد في أي كتاب سيرة، ولا كتاب سنن، ولا في أي كتب من الصحاح، وبذلك يتضح فيه الاختلاق، سواء في السند، أو في المتن.
مسألة غضب علي والزبير يوم المبايعة
تذكر إحدى الروايات أن عليًا والزبير غضبا يوم المبايعة، والرواية صحيحة، وفعلًا غضب علي رضي الله عنه، وغضب الزبير رضي الله عنه، ولكن لماذا غضبا؟
أشاع الحاقدون أن هذا كان بسبب اختيار أبي بكر الصديق رضي الله عنه، وكانا يريان أن غيره أفضل، وطبعًا المقصود بغيره هو علي بن أبي طالب رضي الله عنه، ولكن، بالرجوع إلى نفس الرواية التي ذكرت غضبهما نجد أنها فسرت الغضب على محمل آخر، ومحمل مقبول، لكن المغرضين أخذوا ما يناسبهم من الرواية وتركوا بقيتها، روى الحاكم وموسى بن عقبة في مغازيه، عن عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه بسند صحيح كما صححه ابن كثير رحمه الله، قال:
ما غضبنا إلا لأنا أُخِرنا عن المشورة، وإنا نرى أن أبا بكر أحق الناس بها، إنه لصاحب الغار، وإنا لنعرف شرفه وخبره، ولقد أمره رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يصلي بالناس وهو حي.
إذن غضب علي والزبير رضي الله عنهما كان؛ لأن مشورة اختيار الخليفة تمت في غيابهما، وهو أمر مفهوم ومقبول، ومن الطبيعي أن يغضبا لذلك، بل من الطبيعي أن يغضب بقية المهاجرين لهذا الأمر؛ لأنهم جميعًا لم يحضروا هذا الحدث الهام، ولا شك أن كثيرًا منهم من أهل الرأي والمشورة، كان ينبغي أن يكونوا حضورًا في اختيار الخليفة، ولا يكتفى بثلاثة من المهاجرين فقط، هذا عذرهم، لكن على الجانب الآخر فإن أبا بكر وعمر وأبا عبيدة رضي الله عنهم معذورون كذلك في غياب بقية المهاجرين، وقد رأينا الأحداث بالتفصيل، وكيف أن أبا بكر وعمر كانا في بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وقت اجتماع الأنصار، وجاء إليهما رجل أخبرهما بالخبر، فقاما إلى الأنصار على غير إعداد ولا تحضير، وفي الطريق لقيا أبا عبيدة بن الجراح رضي الله عنه على غير اتفاق، فأخذاه معهما، ودخلوا جميعًا السقيفة، وتسارعت الأحداث في السقيفة كما رأينا، وكان يُخشى إن لم يتم اختيار خليفة في ذلك الوقت أن تحدث فتنة في المدينة، وأن يكثر القيل والقال، والخلاف والتفرق، فما حدث لم يكن القصد منه استثناء المهاجرين من الحضور، ولكن سرعة التقاء الأنصار، ولهم ما يبررهم كما بَيّنا سابقًا هي التي أدت إلى هذه النتيجة العاجلة، ويبدو أن بعض المهاجرين الآخرين كانوا يجدون في أنفسهم لنفس السبب الذي ذكره علي بن أبي طالب، والزبير بن العوام رضي الله عنهما، مما دعا أبا بكر الصديق رضي الله عنه أن يقف خطيبًا في المهاجرين بعد المبايعة بأيام كما روى موسى بن عقبة والحاكم بسند صحيح عن عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه فقال:
خطب أبو بكر الصديق رضي الله عنه في المهاجرين فقال:
ما كنت حريصًا على الإمارة يومًا ولا ليلة، ولا سألتها في سر، ولا علانية، ولكني أشفقت من الفتنة، وما لي في الإمارة من راحة، لقد قُلّدت أمرًا عظيمًا ما لي طاقة به ولا يد إلا بتقوى الله.
فقبل المهاجرون مقالته.
والمهاجرون لا يحتاجون لهذه المقالة حتى يطمئنوا، فهم يعرفون صدق الصديق، وزهده، ومكانته، وقلبه، وإيمانه، ولو أخذت آراءهم جميعًا ما اختاروا غير الصديق رضي الله عنه، ولكنه رضي الله عنه أراد أن يقطع الشك باليقين، ويقتل الفتنة في مهدها، ويسترضي أصحابه مع كونه لم يكن مخطئًا في استثنائهم، بل كان مضطرًا.
إذن كان من الواضح أن إسراع الأنصار إلى سقيفة بني ساعدة لم يكن اجتهادًا مصيبًا منهم، فها هي آثار، ورواسب حدثت في نفس المهاجرين مع أن الخليفة أبا بكر منهم، فكيف لو كان من غيرهم؟
ونعود ونؤكد أن هذه الرواسب لم تكن لأمر قبلية، أو عصبية، أو اعتراض عن الاختيار، ولكن وجدوا في أنفسهم لاستبعاد رأيهم في هذه القضية الخطيرة، هذا الموقف من الأنصار رضي الله عنهم أجمعين هو الذي حدا بعمر بن الخطاب رضي الله عنه أن يقول عبارتين في وقتين مختلفين، لم يفقههما القارئ غير المتتبع للأحداث، وللظروف التي قيلت فيها هاتان العبارتان:
أما العبارة الأولى فقد قالها يوم السقيفة وبعد مبايعة أبي بكر الصديق رضي الله عنه إذ قال رجل من الأنصار لعمر بن الخطاب:
قتلتم سعدًا والله.
يقصد قتلتم سعد بن عبادة رضي الله عنه سيد الأنصار باختياركم غيره، فقال عمر بن الخطاب:
قتل الله سعدًا.
وهذه رواية صحيحة، بل في البخاري، وهذه الكلمة من عمر بن الخطاب رضي الله عنه هي دعاء على سعد بن عبادة رضي الله عنه، ولا شك أنها تعبير عما يجيش في صدر عمر رضي الله عنه من أسى وحزن وغضب لاجتماع الأنصار بمفردهم، وذلك خشية الفتنة التي كان من الممكن أن تحدث لو اختاروا زعيمًا ليس على رغبة المهاجرين، يروي البخاري عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه تفسيرًا لهذا الموقف فيقول:
وَإِنَّا وَاللَّهِ مَا وَجَدْنَا فِيمَا حَضَرْنَا مِنْ أَمْرٍ، أَقْوَى مِنْ مُبَايَعَةِ أَبِي بَكْرٍ، خَشِينَا إِنْ فَارَقْنَا الْقَوْمَ، وَلَمْ تَكُنْ بَيْعَةٌ، أَنْ يُبَايِعُوا رَجُلًا مِنْهُمْ بَعْدَنَا، فَإِمَّا بَايَعْنَاهُمْ عَلَى مَا لَا نَرْضَى، وَإِمَّا نُخَالِفُهُمْ فَيَكُونُ فَسَادٌ، فَمَنْ بَايَعَ رَجُلًا عَلَى غَيْرِ مَشُورَةٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ فَلَا يُتَابَعُ هُوَ وَلَا الَّذِي بَايَعَهُ؛ تَغِرَّةً أَنْ يُقْتَلَا.
أي مخافة أن يقتلا نتيجة الفتنة التي قد تحدث، وليس معنى دعاء عمر بن الخطاب رضي الله عنه على سعد بهذه الكلمة أن بينهما شقاقًا، أو كرهًا، فعمر بن الخطاب غضب من سعد في موقف من مواقف حياته العديدة كما يغضب رجل من رجل عند الإختلاف، وهذا شيء طبيعي جدًا أن يحدث بين المؤمنين، ولكن ليس معناه أن يحدث هجران بين المسلمين أكثر من ثلاث، وهذا ما لم ينقل عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه، وسعد بن عبادة، أو عمر بن الخطاب والحباب بن المنذر أو غيرهم، وليس من الطبيعي، ولا الفطري أن بتعايش الناس دون اختلاف في الرأي، أو غضب من بعض الأفعال، أو حتى خروج لبعض الكلمات التي لا يرضى عنها قائلها، فهذا أمر وارد في حق البشر جميعًا، لكن المهم هو عدم التمادي في هذه الأمور، والمهم هو العودة سريعًا إلى الاجتماع بعد الاختلاف.
العبارة الثانية التي قالها عمر بن الخطاب رضي الله عنه، جاءت في رواية البخاري ومسلم عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه في أيام إمارته على المسلمين خطب في الناس فقال:
بلغني أن فلانًا منكم يقول: لو مات عمر بايعت فلانًا.
يقصد أنه سيبايع فلانًا، وفلانًا هذا هو طلحة بن عبيد الله رضي الله عنه دون مشورة أحد، فهو في رأيه أحق الناس بالخلافة بعد عمر، يكمل عمر فيقول: فلا يغترن امرؤ أن يقول: إن بيعة أبي بكر كانت فلتة، وتمت.
فلتة بمعنى فجأة، فعمر يريد أن يحذر من يقول بيعة أبي بكر كانت فجأة دون ترتيب، ومع ذلك تمت، ونجحت، وبويع أبو بكر، فما المانع إن مات عمر أن نبايع رجلًا فجأة، ويتم له الأمر.
ثم يكمل عمر يصحح المفاهيم للأمة، ويقول:
ألا وإنها- أي بيعة الصديق- قد كانت كذلك إلا أن الله وقى شرها.
وهذه عبارة هامة جدًا، يقصد عمر أن عملية الانتخاب الفجائية كان من الممكن أن يتبعها شر عظيم، فلا بد أن تعقد الشورى بين كل الأطراف الذين يستعان برأيهم في هذه الأمور، وبيعة الصديق الفجائية كان من الممكن أن لا تقر من عامة المسلمين، لولا أن المبايع هو أبو بكر الصديق رضي الله عنه، ولو تخيلنا أن المهاجرين انقسموا على أنفسهم فاختار بعضهم طلحة مثلًا، واختار بعضهم عليًا مثلًا، واختار بعضهم عمر مثلًا، وهكذا، كيف يجتمعون؟
ولذلك قال عمر بن الخطاب تعقيبًا على هذا الكلام: وليس فيكم اليوم من تقطع إليه الأعناق مثل أبي بكر.
أي أن السابق فيكم الذي لا يُلحق في الفضل لا يصل إلى منزلة أبي بكر، فلا يطمع أحد أن يقع له مثل ما وقع لأبي بكر من المبايعة له، فأبو بكر الصديق وقعت له المبايعة بالإجماع في الملأ اليسير في السقيفة، ثم وقعت له المبايعة في عامة الناس من رءوس القوم الذين لم يحضروا البيعة، وليس هذا إلا للصديق رضي الله عنه.
لذا نصيحة عمر للأمة ألا تتسرع في أمر اختيار قائدها، فليس منهم من سيجمع الناس عليه مثلما أجمعوا على أبي بكر، فعليهم بالشورى المتأنية وبطرح كل الأسماء المرشحة، وبدراسة كل واحد منهم، ثم اختيار واحد، ومن المؤكد أن هذا الواحد سيكون مقبولًا من بعض الناس، ومرفوضًا من غيرهم، فإذا حدث اختياره بعد شورى حقيقية، أمن الشعب الفتنة، وإن أرغم الناس عليه إرغامًا فلا تؤمن الفتنة.
سؤال لا بد أن يطرح نفسه الآن:

لماذا أجمع الناس على بيعة الصديق رضي الله عنه؟

يبدو أننا مهما قلنا، ومهما شرحنا، ومهما ذكرنا من مواقف وأحداث، فإننا لن نوفي هذا الرجل حقه، فنحن إن كنا نقارنه بأناس عاديين، لكان يسيرًا أن نفقه هذا الاجتماع على صعوبته، لكنه رضي الله عنه، يقارن برجال أعلام أفذاذ عباقرة، ما تكرر في التاريخ جيل مثلهم، كل رجل منهم أمة، وأَخْرِج كتب السيرة، والتاريخ، واقرأ:
- اقرأ مثلًا قصة حياة عمر بن الخطاب رضي الله عنه، وما فعله للإسلام والمسلمين منذ أسلم وحتى مات، اقرأ عن علمه، وعدله، وفقهه، وورعه، وتقواه.
- اقرأ مثلًا عن عثمان بن عفان رضي الله عنه، وما قدمه في حياته الطويلة، اقرأ عن كرمه، وزهده، وعن أخلاقه.
- اقرأ مثلًا عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه، وعن تاريخه المجيد، وفضله العظيم، وكلامه الحكيم، اقرأ عن قوته، وحكمته، وحلمه، وشجاعته، وذكائه.
- اقرأ عن غيرهم من الصحابة، عن الزبير، عن طلحة، عن أبي عبيدة بن الجراح، عن سعيد بن زيد، عن عبد الرحمن بن عوف، عن سعد بن أبي وقاص.
من المؤكد أن كل اسم من هذه الأسماء يترك في النفس العديد من ذكريات من الإيمان، والجهاد، والبذل، والمروءة.
- اقرأ عن حمزة، عن مصعب، عن سلمان، عن حذيفة، عن صهيب، عن بلال، اقرأ عن أبي ذر، عن معاذ، عن ابن مسعود، عن ابن عباس، عن عمار، عن خالد.
- اقرأ عنهم وعن عشرات معهم، وعن مئات معهم، وعن آلاف معهم، بل عن ملايين معهم.
- اقرأ عن عظماء، وعلماء المسلمين في كل عصر، وفي كل مكان، اقرأ عنهم جميعًا.
- واعلم أنهم لو جمعوا في كفة جميعًا، كل من سبق ذكرهم، لو جمعوا في كفة، والصديق في كفة لرجح بهم الصديق،
أيّ فضل!
وأيّ قدر!
وأيّ عظمة!
وأيّ مكانة!
روى الإمام أحمد رحمه الله بسند صحيح عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال:
خرج علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات غداة بعد طلوع الشمس فقال:
رَأَيْتُ قُبَيْلَ الْفَجْرِ كَأَنِّي أُعْطِيتُ الْمَقَالِيدَ، وَالْمَوَازِينَ، فَأَمَّا الْمَقَالِيدُ فَهَذِهِ الْمَفَاتِيحُ، وَأَمَّا الْمَوَازِينُ فَهِيَ الَّتِي تَزِنُونَ بِهَا، فَوُضِعْتُ فِي كِفَّةٍ، وَوُضِعَتْ أُمَّتِي فِي كِفَّةٍ، فَوُزِنْتُ بِهِمْ، فَرَجَحْتُ، ثُمَّ جِيءَ بِأَبِي بَكْرٍ، فَوُزِنَ بِهِمْ، فَوَزَنَ، ثُمَّ جِيءَ بِعُمَرَ، فَوُزِنَ، فَوَزَنَ، ثُمَّ جِيءَ بِعُثْمَانَ، فَوُزِنَ بِهِمْ، ثُمَّ رُفِعَتْ.
أي رفعت الموازين، ويبدو أيضًا أننا لا نعطي القدر الكافي لعمر رضي الله عنه، ولعثمان رضي الله عنه، ونسأل الله أن ييسر لنا الحديث عنهم بشيء من التفصيل، لاحقًا إن شاء الله.
نعود إلى أبي بكر الصديق رضي الله عنه، وهناك العديد من الأحاديث التي تذكر فضل الصديق رضي الله عنه وأرضاه، أكثر من أن تحصى هنا، فالصحابة ما ترددوا في اختيار الصديق، وما اختلفوا عليه؛ لأنه بالإجماع كان أفضلهم، وكانوا يعلمون ذلك زمان رسول الله صلى الله عليه وسلم،
ولنمر قليلًا بين أقوال الرسول صلى الله عليه وسلم، وأقوال الصحابة رضي الله عنهم في حق هذا الرجل الجليل:
- روي البخاري عن ابن عمر رضي الله عنهما قال:
كنا نخير بين الناس في زمان رسول الله صلى الله عليه وسلم، فنخير أبا بكر، ثم عمر بن الخطاب، ثم عثمان بن عفان رضي الله عنهم أجمعين. وفي رواية الطبراني زاد:
فيعلم بذلك النبي صلى الله عليه وسلم، ولا ينكره.
- وروى البخاري عن عبيد الله بن عمر رضي الله عنهما قال:
كنا لا نعدل بأبي بكرٍ أحدًا، ثم عمر، ثم عثمان، ثم نترك أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلا نفاضل بينهم.
- وأخرج ابن عساكر عن أبي هريرة قال:
كنا معاشر أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، ونحن متوافرون نقول: أفضل هذه الأمة بعد نبيها أبو بكر، ثم عمر، ثم عثمان، ثم نسكت.
- وأخرج الإمام أحمد عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال:
خير هذه الأمة بعد نبيها أبو بكر وعمر.
يعلق الذهبي على هذا الحديث فيقول:
هذا متواتر عن علي رضي الله عنه، فلعن الله الرافضة ما أجهلهم.
الرافضة أي الطائفة من الشيعة التي رفضت خلافة أبي بكر وعمر رضي الله عنهما.
- وأخرج الترمذي والحاكم عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال:
أبو بكر سيدنا، وخيرنا، وأحبنا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وبالطبع فهذا الحب من رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يستنتجه عمر، ولكن رسول الله صلى الله عليه وسلم صرح به من قبل.
- روى البخاري ومسلم عن عمرو بن العاص رضي الله عنه قال:
قلت: يا رسول الله، أي الناس أحب إليك؟
قال: عَائِشَةُ.
قلت: من الرجال؟
قال: أَبُوهَا.
قلت: ثم من؟
قال: عُمَرُ.
قلت: ثم من؟
قال عمرو بن العاص: فعد رجالا.
- وروى الطبراني، عن عمار بن ياسر رضي الله عنهما قال:
من فضل على أبي بكر، وعمر أحدًا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقد أزرى على المهاجرين والأنصار.
أي انتقص من المهاجرين والأنصار.
- وروى البخاري، عن أنس بن مالك رضي الله عنه، أن رجلًا سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الساعة، فقال:
متى الساعة؟
قال: وَمَاذَا أَعْدَدْتَ لَهَا؟
قال: لا شيء، إلا أني أحب الله ورسوله.
فقال الرسول: أَنْتَ مَعَ مَنْ أَحْبَبْتَ.
قال أنس: فما فرحنا بشيء فرحنا بقول الرسول صلى الله عليه وسلم:
أَنْتَ مَعَ مَنْ أَحْبَبْتَ.
قال أنس: فأنا أحب النبي صلى الله عليه وسلم، وأبا بكر، وعمر، وأرجو أن أكون معهم بحبي إياهم، وإن لم أعمل بعملهم.
فإحساس أنس رضي الله عنه بأبي بكر، وعمر، كان هو إحساس كل الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين.
- وأخرج الترمذي وحسنه ابن ماجه وأحمد وغيرهم عن أنس قال:



Digg this Post!Add Post to del.icio.usBookmark Post in TechnoratiFurl this Post!
رد مع اقتباس
رد

مواقع النشر

العبارات الدلالية
لحين, الموضوع, اكتمال, بلا, عنوان


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 
أدوات الموضوع
طرق مشاهدة الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة
Trackbacks are متاحة
Pingbacks are متاحة
Refbacks are متاحة


المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
خمسون معلومة عن الرسول صلى الله عليه وسلم‎ عاشق بصمت حبايب نصرة الرسول صلى الله عليهِ وسلم 15 يوم أمس 01:31 PM
الرياضه البدنيه في السنة النبوية لطوفي حبايب نصرة الرسول صلى الله عليهِ وسلم 12 07-15-2010 09:19 PM
محبة النبي صلى الله عليه وسلم بين الاتباع والابتداع وتر حساس حبايب نصرة الرسول صلى الله عليهِ وسلم 18 06-19-2010 03:49 PM
معـآمـآــة الرســوًل صلي الله علية وسلم للعصــــآإة إصرخ يآضمير حبايب نصرة الرسول صلى الله عليهِ وسلم 16 01-18-2010 08:45 AM
نسمات الحج .. لغير الحجاج لقاء القدر حبايب الإسلامى 7 11-25-2009 06:21 AM


جميع الأوقات بتوقيت GMT +3. الساعة الآن 01:01 PM.


Powered by vBulletin® Version 3.8.6. Copyright ©2000 - 2010, ستار بكس

.:: الذهاب الى أعلى الصفحة ::.
.:: جميع الحقوق محفوظة لكل المسملين رمضان 2008 ::.
.:: الذهاب الى أعلى الصفحة ::.

SEO by vBSEO 3.5.1

1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17 18 19 20 21 22 23 24 25 26 27 28 29 30 31 32 33 34 35 36 37 38 39 40 41 42 43 44 45 46 47 48 49 50